النسيان


آخر تحديث: October 11, 2018, 3:52 pm


أحوال البلاد
بقلم: عدنان أبو شومر

مازال..!! يتقدمني ... فارا من وطأة الحر ...يضغط على مقدمة رأسه.. يتألم ... يتضور جوعا ينحني مقتربا من الأرض حتى يلامس غبارها , ثم ينهض مترنحا ..باكيا ..صارخا ..ونديم اليوم مازال يردد معه همه الباقي عند مقدمة بؤسه...
وبين أناته وقهره... وندمي يسافر بعيدا عن قدماي ..!!
مازالت قدماي تسيران بخطى بطيئة خلفه ترتجف مع أطرافي الأخرى من هول منظر الشاكي ... الباكي.. البعيد ... التائه عن يومه , ومع يومنا.! ويوم غيرنا من غرباء الطريق , ومن غرباء الحانات..!! وأصحاب الشرارات الحمراء المتلامسة عند الزوايا المخفية عن كثير من المتألمين.! 
فعلى جبين يومه تعيش الدمعة مخفية مختفية , تعلوه نقاط الحزن السوداء بعد أن استعانت معها ببقايا الغيظ المترنح عند بوابات النائم في حضن الانتعاش ..يتأبط الليل شرا ... غرورا كبرياء..! بين ملهيات الدنيا .. يعيش برؤياه البائتة بين أحضان الترف والتيه , ويغمض عينيه على كثير من متع الشهوات التائهة ..الهابطة.. والصاعدة..!! بكل ألوان الطيف المرئي وغير المرئي ....!!
نظر اليه بازدراء وكأن الدنيا تسمرت عند قصره..! وكل كائن خارج نطاق قصره تافه.. !!!!
لا يساوي في ميزان الحياة الزائلة سوى نقاط ليس لها معنى .. يسقط عَلِيلًنا..! فقيرنا ...!
يسير بخطاه المتثاقلة.. يصرخ من شدة الألم , ويستعطي كوامنه البائتة على خوائها طيلة أيام مضت , ثم يستدرجها قهره وهمه وكبته , فيعود مكملا مسيرة البحث عن بعض قطرات تطفئ ظمأه الظمآن الى أدنى مقومات البقاء.!!
وبين همه وقهره وغيظه .. استدرجته أرجله التي اختلطت دماء الطريق معها بحراشف الورل المتصلب ...!الى ظل قريب..
فمن شدة اعيائه وظلم الواقفين بين عتبات الطريق , وقلبه المقفل على دمائه الواهنة , أخذه النعاس ينساب بين أحضانه.. إلى تحت ظل الجدار.. مفترشا ذراعيه على بعضهما , يتأبط شرارات الحجارة الملتهبة ... ليغرق النوم في سباته ... وكأنه على أبواب جنة أحلام في عالمه المختفي عن عيوننا .. يعيش معه لحظات سعادة حانية .. بين كرمه المختبئ بين الوعي المتمنى , وبين الخيال الذي أرساه الحلم ...!
يترنح على هودج الأيام يسير بحلته الجميلة , وكأن جنة أحلامه جنتان ..عن يمينه , وعن شماله.. يسير بخطى ثابتة بين كرومها وبساتينها المترامية ... يلتقط من ثمارها الغنية بكل حلاوة ولذة ... يأكل من جميعها .. حتى اذا شارف على أبواب قصره.. شاهد خدمه في هوادجهم يستقبلونه حملا على الأكتاف , والأعناق مداعبا هذا ..مازحا مع ذاك وقهقهته أصبحت في عالمه الغائب مجلجلة ...!
دنا أكثر حتى اذا كان على أعتاب البوابة الكبيرة ..أهلت شقراؤه تسترسل شعرها المتهدل على أكتافها الغنية بكل دسامة الجمال, ينظر إليها بعينيه ... متلذذا بمنظرها الجميل حتى أوشكت عيناه أن تلتهم قوامها بكل تضاريسه وتفصيلاته .. !!
انطلق اليها كالسهم ..حتى اذا كان بين احتضانها قاب قوسين أو أدنى ..داهمته عجلات احدى عربات دنيانا القاسية ـ التي يجرها حمارـ لتستقر على ساقه اليمنى ... يصحو من حلمه الجميل مفزوعا من شدة الألم ومازالت آثار سعادة الخيال مرسومة على محياه ... نظر والألم قد أحكم سيطرته على ساقه اليمنى ... يقول لصاحب العربة : حتى أحلامي محرمة علي في دار حقيقتكم الحقيرة محسود أنا العبد الفقير عليها ......!!
ارحل أيها البعيد عني , ولا تقترب فكنوز الحياة في دنياكم لا تساوي لحظة خيال ... عندي!!
فإلى الجحيم امض ..ابتعد عني , دعوني أعود الى حلمي ..!
ضغط قليلا على نفسه ... ثم وقف محاولا تناسي ألمه ... جوعه.. غيظه ... قهره ...
تصنع النوم ... 
يبدو بأن السعادة حتى وإن كانت في الخيال سيظل محروما منها ...!
نهض متثاقلا والألم مازال يقض مضجعه.. مكملا مسيرته المتعثرة , حتى أصبح على مشارف تلة ... مرتفعة قليلا ... وقف عندها ينظر أسفل منه ... وسرعان ما أصابه دوار الارتفاع ... انحدر مغشيا ... وعندما صحا وجد نفسه ممددا على سرير أبيض ..
حمد الله بأن اصابته بليغة ... معتبرا ذلك نعمة كبيرة امتن الله بها عليه ... 
رفع يديه والابتسامة تعلو محياه شكرا لله على ذلك..!!