إشراك الغريب في تفاصيل البيت الداخلي


آخر تحديث: October 11, 2018, 12:44 pm


أحوال البلاد
بقلم: كمال بالهادي

حين بدأت ممالك الأندلس بالسقوط الواحدة تلو الأخرى، في أيدي ملك قشتالة، لجأ المعتمد بن عبّاد إلى القائد الأمازيغي يوسف بن تاشفين، أمير دولة المرابطين في المغرب، فلامه مماليك تلك الدويلات المتناحرة في الأندلس، وقالوا له إنّك تهرب من أسر ملك قشتالة» ألفونسو» لتجد نفسك أسيراً لدى ابن تاشفين، فأجابهم بقولته التي أصبحت مثلا سائراً «رعي الجمال خير من رعي الخنازير».

أي أنّ كونه مأكولًا لابن تاشفين أسيراً، يَرْعى جماله في الصحراء، خير من كونه مُمزَّقاً لألفونسو أسيراً، يرعى خنازيره في قشتالة، وكان - أي ابن عبّاد - مشهوراً بوثاقة الاعتقاد، وقال لعذّاله ولُوّامه: يا قوم، أنا مِن أَمري على حالين: حالة يقين، وحالة شك، ولا بد لي من إحداهما، أما حالة الشك، فإني إن استندت إلى ابن تاشفين، أو إلى ابن فرذلند، ففي الممكن أن يفي لي، ويبقي علَيّ، ويمكن ألا يفعل، فهذه حالة شك، وأما حالة اليقين، فهي أني إن استندت إلى ابن تاشفين، فأنا أُرْضي الله، وإن اسْتندتُ إلى ابن فرذلند، أسخطتُ الله، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة، فلأي شيء أدَعُ ما يرضي الله، وآتي ما يسخطه؟ وحينئذ أقصَر أصحابه عن لومه.

إنّ الدافع لاستحضار هذه القصة في مستهل هذا المقال، أمر مقصود، فالحالة السياسية العربية الحالية تجعلنا نعتقد أننا نعيش عصر ملوك الطوائف الذي ميّز فترات حالكة من التاريخ العربي والإسلامي. فعلى مستوى السياسات الداخلية في الدول العربية، هناك ميل للاستقواء بالخارج، سواء كان هذا الخارج ممثلاً في دول، أو في منظمات المجتمع المدني، أو في شكل تحالفات مع قوى لا تستند إلى أي نواميس، أو قوانين. لقد شكلت الحالة السياسية العربية منذ العام 2003، أي منذ احتلال العراق، ولجوء المعارضة العراقية آنذاك إلى الاستقواء بالاحتلال الأمريكي لإسقاط نظام صدام حسين، حالة «تدويل» للقضايا الداخلية، وتسليم ملفاتها إلى «جهات أجنبية»، بطريقة غير مسبوقة. وقد أدت عمليات التدويل هذه وإشراك الغريب في تفاصيل البيت الداخلي، إلى سيطرة تكاد تكون مطلقة للطرف الخارجي في كل حركات وسكنات بعض الدول العربية، شعوباً وحكومات. فلا وضع للخيط في عين الإبرة إلا بمشورة ذاك الطرف الخارجي. وانعكس هذا الوضع الداخلي على العلاقات العربية. فقد انحسرت العلاقات العربية منذ العام 2011، إلى مستويات غير مسبوقة، حيث بات المواطن العربي يحنّ إلى تلك البيانات التي تتحدث عن «تعزيز العمل العربي المشترك»، بالرغم من أن فاعليتها لم تكن تتجاوز حدود الحبر الذي كتبت به. فتلك البيانات على ضعفها لم تعد اليوم في المتناول، بعد أن تراجعت العلاقات العربية إلى حدودها الدنيا.

لا تعوزنا الإمكانات، ولا الموارد البشرية، ولا الموقع الاستراتيجي، والأرقام التي يتمّ من حين لآخر تجميعها من قبل الحالمين بعالم عربي موحد، تبدو مرعبة للأعداء، فالقوى العاملة تفوق ما لدى الدول المتقدمة، وجيوش العلماء قادرة على القفز بنا إلى مصاف الأمم المتقدمة، أما الجيوش والأسلحة، فهي قادرة على حماية كل الموارد، وردّ الأعداء. ويظل السؤال موجعاً، لماذا نرضى بأن نرعى الخنازير، بدل أن نرعى الجمال؟

قد يقول دعاة «ديمقراطية الربيع العربي»، أو دعاة الديمقراطية المستوردة على ظهور الدبابات، أو تلك التي يروج لها من أبواب قنوات إعلامية احترفت الدفاع عن «داعش»، و»النصرة»، وغيرها من تنظيمات العهود السحيقة، إن في مثل هذه الدعوة «لرعي الجمال بدل الخنازير» إقراراً بمساندة الديكتاتورية، ولكن المقصد الحقيقي هو أن نعيد النظر بعمق في تجاربنا، وفي مطالبنا. هل يمكن لهذه الديمقراطيات التي يقع رعيها في مزارع تربتها غير تربتنا، أن تزهر، وأن تثمر تحولات سياسية جذرية، وأن تقود إلى تنمية سياسية تكون قاطرة للتنمية الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية؟ لقد كان محصول تجربة 2011، وما بعده «محصولاً أحمر»، وبتنا نتمنى العودة إلى المؤشرات الاقتصادية التي كانت قبل ذلك التاريخ. والأنكى من ذلك أنّ التفريط في السيادة الوطنية بات وجهة نظر قابلة للنقاش، بعد أن كان خطاً أحمر، تتوقف عنده طموحات الحالمين باللعب على وتر التدخل الخارجي. والواقع يثبت أنّ من رفضوا «رعي الجمال» يجدون أنفسهم اليوم، على بوابة «رعي الخنازير»، وربما سبقهم إليها ذلك الشباب اليائس الذي غامر بحياته وهو يلقي بنفسه في غياهب البحار، فارّاً من اليأس والقهر، والظّلم. لا يمكن لهذه الحال أن تستمرّ لأنّها تحمل في بطنها بذرة الاندثار.

 

عن جريدة "الخليج" الإماراتية