«طريق الرّعد» للأمريكي جين كامينغز: حين تكون «الطيبة» سببا لمآس متتالية


آخر تحديث: October 11, 2018, 11:51 am


أحوال البلاد

 

يمكن لأحدنا أن يخرج من الصالة معجبا بأداء الشخصية الرئيسية، وقبله بالسيناريو، وبعده بالإخراج، أما هذا الفيلم فقد كان له كاتب هو مخرجه ومنتجه والممثل الرئيسي فيه، هو جين كامينغز الذي صنع بكل تلك الأدوار، الفيلم بنسخة قصيرة (13 دقيقة)، قبل عامين، ونال به عدّة جوائز.

اليوم، يخرج الفيلم ذاته بالعنوان ذاته مستمداً مشاهد من الفيلم القصير، كفيلم روائي طويل، ونال حتى الآن عدّة جوائز في المهرجانات العالمية من بينها دوفيل وسياتل، كما شارك في مهرجان كان السينمائي الأخير، ضمن تظاهرة «أسيد»، ويُعرض حالياً في الصالات الفرنسية.
يعتمد هذا الفيلم أساساً على صانعه، خاصّة في السيناريو القويّ والأداء اللافت، والفيلم عبارة عن مونولوغ طويل، أحاديث طويلة تجريها الشخصية الرئيسية (ضابط الشرطة جيم أرنوه) مع من حوله، والمونولوغ يتعدى الأحاديث إلى الأفعال، ردود الأفعال، الانفعالات، وغيرها مما يمكن أن يؤثّر على الضابط جيم، مما يحصل حوله، وهذه نقطة أساسية هنا، أولاً لأنّ أحداث الفيلم تتطوّر حسب ردّات فعله المفرطة، وثانياً لأنّ الفيلم مبني على شخصيته وحالتها النفسية، وثالثاً لأنّنا أمام رجل سريع الانفعال، وهنا كذلك يبدأ الفيلم.
في اللقطة الأولى نشاهده يتعارك مع آلة تسجيل لا تعمل، بعدها بلحظات نعرف أنّه في جنازة أمّه، وأنّ عليه أن يلقي كلمة، يبدأ الفيلم بتقديم شخصيته الرئيسية من هنا، والفيلم معتمد كلياً عليها. في الجنازة ينفعل جيم في خطابه، ويرقص بدون موسيقى (فالمسجلة لا تعمل أخيراً) وهو ببدلة الشرطة، يبكي بشكل هستيري للحظات قبل أن يعاود الحديث بنبرة رتيبة، يمازح أحياناً ويقاطع نفسه أحياناً أخرى، معطياً ملاحظات لمن حوله قد تبدو ساخرة ومستهجَنة، إلا أننا ننتبه إلى أنّ شخصية جيم هي التي تجعل ما نراه، آتياً في سياقه وغير مقحم، أي متوقعاً منه، فهو رجل غير عادي فيكون سلوكه غير عادي، له سلوك أطفال أحياناً، أفعال وأقوال غير مسؤولة، يكون طيّباً جداً في أحيان أخرى، فاشلاً في كثير من الأحيان وفي نواح عدّة من حياته، وهذه مأساته في الفيلم.

 

يبدأ الفيلم (Thunder Road) بفقدانه أمّه، ويبدو واضحاً تعلّقه بها، وضوح ذلك يمتد على طول الفيلم. في اليوم ذاته، إثر الجنازة، يذهب إلى عمله، كشرطي، يتعارك مع متسوّل، فيطلب منه مسؤوله في العمل أن يأخذ إجازة لأسبوع، خلالها ترسل له زوجته، التي تعيش منفصلة عنه وفي علاقات مع آخرين، محامياً مع أوراق لطلب الطلاق، في المحكمة يتحدث بتلقائية فيُزعجُ القاضي، الواضحة عليه هيئة اللؤم. يخسر حضانته لابنته، وتكسب زوجته التي طالبت بنصف راتبه. أحدهم صوّره أثناء إلقاء خطابه ورقصه في الجنازة، وصل الفيديو إلى القاضي الذي اعتبر سلوك جيم عدائياً، فحكم لصالح زوجته. في اليوم ذاته يذهب إلى عمله ويتعارك مع زميله، بشكل عفوي كذلك يجد نفسه رافعاً مسدّسه، مسؤوله ذاته يراه ويأمره بخلع بدلته وشارته وإنزال مسدسه، جيم الآن بدون ابنة ولا زوجة ولا عمل، وقبلها بدون أمّ. يضطر لبيع بيته، يقود سيارته لساعتين إلى أخته التي يرى أن لها مشاكلها الخاصة فيتركها، مع حقيبته، إلى سيارته التي صارت بيته.
لكن المآسي أو تقاطعات النّحس لا تتوقف هنا، فحتى زوجته التي فقدها، يفقدها بشكل مضاعف حين يعرف أنّها انتحرت وأنّ ابنته المتأثّرة هي التي اتّصلت بالشرطة لتأتي. يسرع إلى هناك ويحمل ابنته ليهدّئ من روعها لكنّ لا بيت له يأخذها إليه. هذا كلّه تتخلّله مشاكل له مع ابنته، أو سوء تفاهم، مشاكل لابنته مع آخرين في المدرسة فيُستدعى الأب لذلك، هناك كذلك ينفعل ويبدو عنيفاً، كما انفعل في الجنازة، وأمام مسؤوله في العمل، وحين أوقفته الشرطة على الطّريق، وفي كل موقف يمكن أن يُخرج بسهولة انفعال المقهور.
جيم الذي استغربت محاميته حين قال لها بأنّه لا يطالب بحضانة الطفلة لأنّها ستفضّل أن تبقى مع أمّها، هو رجل بسيط، طيّب القلب، مسالم جداً، وهذا يتناقض تماماً مع ما يُتّهم به وما يتم التصرّف، من قبل آخرين (المجتمع والأفراد والدولة) على أساسه، وهذه الطيبة الزائدة، التي أدّت أخيراً إلى سلسلة المآسي التي حلت به، وبفارق زمني بسيط، إذ أن الأحداث تجري في أيام قليلة، هذه الطيبة نراها جيداً في سلوكه، في تفاصيل سلوكه، والفضل يعود هنا إلى الأداء، نتذكّر أنّ الكاتب هو نفسه المخرج وهو نفسه الممثل، كما نراها (الطّيبة) جيداً في أحاديثه، في كيفيتها، في كلماتها، في نبراتها، لكن أساساً في قطعه لحديثه كي يعطي تعليقاً هنا أو هناك، تعليقاً ساذجاً لا ينمّ إلا عن شخصية بسيطة وذات مشاكل نفسية، إنّما ليست عدائية، وهنا قد يكون مكمن الظّلم الذي تعرّض له جيم على طول الفيلم، فقد سُلب منه عمله وبيته وطفلته، بعد فقدانه لأمّه، لسبب هو أبعد ما يكون عن حقيقته وشخصيته.

سليم البيك