هل يمكن التحكم في فوضى المنطقة؟


آخر تحديث: October 10, 2018, 3:31 pm


أحوال البلاد
بقلم: مدى الفاتح

يمر العالم بشكل عام، والمنطقة العربية بشكل خاص، بتغيرات متصاعدة ومتباينة من الناحيتين السياسية والأمنية. على ما يبدو فإن هذه التغيرات لن تترك أحداً وراءها وسوف تمتد تأثيراتها لتشمل جميع الأطراف حتى أولئك الذين كانوا يظنون أنهم في منأى عنها. كل ما هنالك هو أن الأثر قد يختلف من طرف إلى آخر حسب نوعية الانخراط في الحدث.

هنا بإمكاننا أن نضرب مثلاً بالدفء الجديد في العلاقة بين الكوريتين، أو بالتباين الحاد في وجهات النظر بين الشريكين الأوروبي والأمريكي، أو ببدء الإدارة الأمريكية في اتباع سياسة جديدة هدفها، ولسبب ما، تفخيخ التحالفات الراسخة السابقة مع أطراف كثيرة من بينها الدول الغربية واليابان وكوريا الجنوبية، وحتى منطقة الخليج العربي. لكل ذلك آثار إقليمية ودولية وتغييرات في المعادلات الثابتة التي كانت تعمل بشكل أو بآخر على حفظ الاستقرار الدولي.

أحياناً تظن بعض الأطراف أن بإمكانها تحديد قواعد انخراطها، بمعنى أن بإمكانها أن تتدخل في أكثر من مكان، وأن تحافظ على أمنها الداخلي ونأيها بنفسها عن مكامن الخطر في الوقت ذاته. في أغلب الأحيان يكون هذا الظن ناتجاً عن حالة من الغرور تتسبب في الاستخفاف بالبيئة المحيطة، لدرجة عدم الاكتراث بما ستؤول إليه الأمور. مثالان أخيران يدللان على أن أصحاب هذا الظن يجب عليهم أن يراجعوا حساباتهم. الأول هو التفجير الذي حدث في الأهواز الإيرانية، والثاني هو التصعيد العسكري بين كل من الكيان الصهيوني وروسيا على الأرض السورية. كان المثال الأول وهو التفجير في العمق الإيراني وفي منطقة الأهواز ذات الغالبية العربية، التي تشهد على مر السنوات قمعاً متزايداً، ومحاولات لصيقة لتضييق الخناق على أي محاولة لخلق مظاهر معارضة، كان ذلك مثالاً قوياً. لم يكن المكان فقط خاصاً، ولكن التوقيت أيضاً، حيث جاء التفجير في ذروة عرض عسكري للحرس الثوري الذي يفتخر بقوته وشدته وقدرته على التأمين. وسواء كانت تلك العملية في إطار رد بعض المجموعات الخارجية على التدخلات المتطاولة للأذرع الإيرانية، أو كانت عملية ذاتية نفذتها بعض الكوادر الحانقة في الداخل، فإن النتيجة واحدة، ومع تكاثر الأعداء، في المقام الأول بسبب السياسات العدائية وغير المتزنة، فإن جمهورية الولي الفقيه يتوجب عليها أن تعيد التفكير في جدوى توغلاتها الخارجية الهدامة، ومدى فائدتها للمصلحة الوطنية ولمستقبل علاقاتها الإقليمية مع الجوار خلال العقود المقبلة.

خلق الفوضى يبقى سهلاً، إلا أن الصعوبة تكمن في القدرة على التحكم في مآلاتها

المثال الثاني هو إسقاط الطائرة الروسية (يوشن- 20) الذي تسبب فيه بشكل غير مباشر اختراق الطيران الإسرائيلي للأجواء السورية. كان هذا التسبب غير مباشر، لأن الأيدي المباشرة كانت أيدي الدفاع السوري الحليف، الذي ظن أنه يستهدف أهدافاً صهيونية. الفوضى التي خلقها جيش الاحتلال الإسرائيلي واستخفافه بقواعد الاشتباك والتنسيق، جعلت أصابع الاتهام تتوجه إليه كمتسبب في هذا الهجوم. انشغل الناس عقب الهجوم الذي أودى بحياة عدد من الضباط بدراسة الرد الروسي، وإمكانية دخول موسكو في مواجهة مع تل أبيب، لكن هدفنا هنا ليس البحث في هذه الفرضيات، وإنما التذكير بها للتأكيد على ما ذهبنا إليه من صعوبة التحكم في الفوضى حين تستفحل، بحيث لا يصبح أي طرف، مهما ظن في نفسه من تحصين، بمنأى عنها.

ظل الكيان الصهيوني على مقربة من حدود الحرب السورية، وعبر توازنات صنعت بذكاء، استطاع قادته أن يحموا أنفسهم من آثار فوضى الجوار، الذي احتوى في وقت واحد على مجموعة من الأعداء الذين أصبحوا أقرب من أي وقت مضى. نعني بهذا إضافة إلى ميليشيات “حزب الله” المجموعات الإسلامية والجهادية السنية، الممثلة بتنظيم الدولة وما شابهه من جهة، والمجموعات القتالية الحليفة لإيران، التي جاءت من أكثر من مكان من جهة أخرى.

عبر تفاهمات مدروسة بعناية تم إقناع المجموعة السنية بضرورة جعل النظام أولويتها، وأنه ليس من مصلحتها فتح أبواب مواجهة جديدة، وعبر تفاهمات موازية أخرى اقتنعت المجموعات المناصرة لإيران بالتركيز على الخطر السني كهدف وحيد. في الوقت ذاته تواصل التنسيق مع الروس حول الفضاء الجوي وحول ضرورة إثناء إيران وأذرعها، خاصة “حزب الله”، عن القيام بأي هجوم فوضوي. هكذا مضى الأمر، لكن هذه التفاهمات لم تمنع حدوث ضربات عسكرية إسرائيلية بين الحين والآخر، بغرض التذكير بقواعد الاشتباك المتفق عليها، وبالقوة الصهيونية الرادعة. بحسب ما اتضح فإن هذه الضربات كانت تتم عقب إشعار القوات الروسية المسؤولة عن التأمين الجوي، لكن الذي حدث هذه المرة هو عدم حصول هذا الإشعار، أو بشكل أدق، حصوله قبل وقت غير كافٍ من الهجوم. كانت الأطراف المتشابكة تعلم أنها تلعب لعبة خطيرة، ولكنها كانت تحاول تأمين نفسها بشكل دائم من أجل تقليل نسبة حدوث الخطأ، ما جعل الزيارات لا تنقطع بين الأطراف الروسية والأمريكية والإسرائيلية، رغم عدم الاتفاق في وجهات النظر. وجود نوع ما من التفاهم كان أمراً لا بديل له حتى مع من يقفون في المعسكر المقابل.

أدت هذه التطورات إلى تسليم النظام السوري منظومة (S300) الروسية المتطورة المعروفة بأنها مضادة للطائرات وللصواريخ الباليستية، وذلك بغرض تعزيز حماية الكوادر العسكرية المتواجدة على الأرض، والحيلولة دون تكرار أي نوع من العمليات غير المنسقة. هذه المنظومة تتميز، بحسب ما يقال، بقدرتها على التمييز بين العدو والصديق. في الوقت ذاته فإن الكيان الصهيوني لم يعتذر بشكل لائق عن تسببه في الهجوم، بل أكد أنه سيعمل على الاستمرار في مثل هذه العمليات، سعياً للحفاظ على أمنه، وأنه سيواصل استهداف الأهداف الإيرانية منعاً لتسرب أي نوع من السلاح المتقدم لكتائب “حزب الله” أو غيرها من الحركات المعادية. كل ما قدمه الصهاينة كان تجديد التعهد بعدم استهداف القوات السورية وعدم القيام بأي إجراء من شأنه زعزعة النظام، الذي يمثل بقاؤه مصلحة عليا لموسكو.

هناك سؤال آخر مهم، لكنه يحتاج لخبرة عسكرية من أجل الإجابة عليه وهو التالي: هل يمكن للقوات الإسرائيلية متابعة استهدافها للأهداف الإيرانية، مع وجود منظومة الدفاع الروسية؟ أم أن هذه المنظومة سوف تخلق بالفعل مظلة للحظر الجوي؟ بشكل آخر: من هو الطرف الأكثر فعالية، القوة الهجومية الإسرائيلية التي حصلت على معدات قتالية نوعية بفضل العلاقة الخاصة مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة؟ أو القوة الدفاعية الرادعة الروسية التي بلغت أيضاً شأناً لا يمكن الاستهانة به؟ إجابة هذا السؤال ليست سهلة فهي تحتاج دراية وتخصصاً، خاصة مع تأكد حصول الكيان على طائرات خارقة وصعبة الرصد مثل (إف 35). كل ما يمكن قوله كتحليل مجرد هو أنه ليس من مصلحة الطرفين الإعلان عن حدود قوتهما بشكل تفصيلي. أما الاحتمال الوارد لنجاح الإسرائيليين في القيام بضربات جوية موجعة أخرى رغم وجود (S300) فسوف يؤثر، إن حدث بشكل بالغ، من الناحيتين الاستراتيجية والتجارية، على صورة المنظومات الروسية التي بدأت تحظى بسمعة جيدة مؤخراً. تختلف الاحتمالات وتتنوع الفرضيات، لكن الثابت هو أن خلق الفوضى يبقى سهلاً، إلا أن الصعوبة تكمن في القدرة على التحكم في مآلاتها.

 

كاتب سوداني

عن جريدة "القدس العربي" اللندنية