جرعة «كيماوي»... فلا تمزق الاستقالة


آخر تحديث: October 10, 2018, 3:24 pm


أحوال البلاد
بقلم: مشرق عباس

لا يحتاج الأمر إلى الشجاعة فقط، بل إلى التشخيص السليم، ليقال إن العراق في حاجة إلى إجراءات إصلاح خطيرة ومؤلمة، تماماً كما يحتاج المصاب بالسرطان إلى نظام علاج «كيماوي» كحل أخير غير مضمون النتائج.

ونعم... العراق قد أصابه سرطان الفساد، وتقاسم الشركات السياسية والميليشيات والمنتفعين والوصوليين، والترهل الوظيفي، وغياب الإيمان الوطني، في أعلى سلطاته.

ونعم.. يحتاج الأمر إلى شجاعة اعتراف، وتقدير موقف عاجل، ورؤية علاج شاملة يقودها حكماء لمنع السرطان أولاً من الانتشار، واجتثاثه كمرحلة ثانية.

على ذلك، لا يغدو تغيير الوزراء والرؤساء والبرلمان، حلاً، إذا لم يقترن بشكل فعلي باستعداد عام لسلوك طريق العلاج الصعب والمؤلم، والذي يتضمن إعادة صوغ هيكلية الدولة بالكامل، بما يسمح بترشيق كادرها الوظيفي المترهل (نحو 3 ملايين موظف) وإلغاء وزارات وهيئات ومديريات فائضة أصبحت مجرد باب لاستنزاف الموازنة، وطرد الموظفين والمستشارين الفضائيين الذين قبلوا على أنفسهم استحصال مرتبات من دون تقديم خدمة فعلية، أو في الأقل الدوام في المؤسسات التي يحق على بعضها أن يطلق عليها بالتعبير العراقي «دوائر فضائية» لأنها بمجملها فائضة.

ومن ثم تجب إعادة صوغ قوانين الدولة وصلاحيات مركزها وأطرافها، وإضفاء الشفافية والعلنية على عقودها ومصروفاتها، ووضعها أمام المجهر، لقطع الطريق أمام المزيد من قوافل الفساد المتربصة بكل دينار في سعر برميل النفط، ومطاردة كبار الفاسدين بلا هوادة ومراجعة الحسابات السابقة بلا خطوط حمر، ووضع الجميع متساوين أمام القانون.

لن تكون حقنة «كيماوي» عاجلة، بل كورس علاج كامل، من ضمن تبعاته سقوط شعر الرأس، وتحمل ألم أعضاء الجسد، وتقبل الإصفرار والوصول إلى حافة الانهيار.

لا سلسلة خيارات أمام السرطان، فإما أن تقتله وتحرص على عدم ظهوره مرة أخرى مستعيناً بأحدث ما وصلت إليه العلوم الحديثة، وتكنولوجيا العلاج، والاستعداد النفسي للمقاومة، أو يقضي عليك مهما حاولت الادعاء بأنك مصاب بالإنفلونزا.

و... نعم، لا يجدر اعتبار نزعة رئيس الوزراء الجديد عادل عبد المهدي إلى الاستقالة من المناصب الرسمية (فعلها نائباً لرئيس الجمهورية، ووزيراً للنفط)، سبة عليه، كما لا تجب مطالبته بتمزيق ورقة الاستقالة التي صرح مرة بأنه يضعها دائماً في جيبه، بل عليه أن يقدم كتاب استقالته مع الأمر الديواني الذي يوقع عليه والقانون المؤلم الذي يعمل على تمريره، وليس بطريقة رئيس إحدى الهيئات الذي كان «بروز» ورقة استقالته ووضعها في صدر مكتبه للوجاهة، وإثبات النزاهة، ثم صمت عنها وسحبها وربما أحرقها، مطلاً من شرفة مكتبه على خراب البلاد، وتغول فساد فاسديها في عصره، متعللاً بعدم قدرته على مواجهة ضعف القوانين، والإجراءات القضائية المعقدة، والضغوط السياسية المتنفذة.

على عبد المهدي أن يحمل ورقة استقالته فعلاً، ولا يعرضها عندما يزعل، أو يغضب، أو يتعرض للضغوط، أو تتم مواجهته بالحقائق المرة، كحال المنسحبين من المعركة مع اشتداد أوارها، بل عليه أن يعرض أولاً كل الحلول المؤلمة التي يحتاجها العراق، وأن يجبر القوى السياسية على ترك مهرجان المزايدة السياسية والانضمام إلى المكاشفة المريرة مع الشعب، وأن يضع استقالته وربما حياته قرباناً للإصلاح، ولا يهم بعد ذلك ماذا يحصل، ولا كيف ستتعرض القوى السياسية المرتكبة بحق هذه البلاد إلى الإحراج والفوضى، ولا حتى كيف ستتصرف من بعده، فيومها قد منح الشعب ما يحتاجه ليدافع بنفسه عن نفسه ضد السرطانات التي تلتهم خريطته.

لن يكون الصمت مجدياً، لأي مسؤول عراقي، ولن يكون بإمكانه تمرير السنوات ودفعها للحصول على وجاهة الاسم والقصر والحمايات وبعض الاستثمارات، فأمواج العراق قد تكون أعلى من كل الأسوار الممكنة، وأخطر من حرفة السياسيين بركوبها.

و... نعم، بلادنا قد نخرها السرطان، وهو لم يعد مرضاً ميؤوساً منه، لكن العلاج، في حاجة إلى الإيمان والإقدام، لا اليأس، ولا التغاضي، ولا التحذلق السياسي، ولا نبش تاريخ السحر والشعوذة بحثاً عن الأمل... العراقيون عليهم أن يصنعوا أملهم بأنفسهم، ويسيروا معاً في الرحلة الصعبة، فقد كانوا فعلوها لقرون طويلة سبقت.

 

عن جريدة "الحياة" اللندنية