الدولار المغسول في غزة يشكل أزمة بين المواطن ومحلات الصرافة


آخر تحديث: October 7, 2018, 2:56 pm


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير محمد عابد

من المتعارف عليه أن فلسطين تتعامل بثلاث عملات أجنبية , الشيكل الإسرائيلي والدولار الأمريكي والدينار الأردني ,وذلك بسبب عدم وجود عملة وطنية فلسطينية خاصة بفلسطين , فبموجب بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994,بين منظمة التحرير الفلسطينية والجانب الإسرائيلي , الذي عالج المسائل النقدية المتعلقة في تنظيم النشاط النقدي والمصرفي , وبموجبه التزمت السلطة الفلسطينية بقبول الشيكل الإسرائيلي عملة للتعامل علي المستوي الرسمي والغير رسمي .

كما أن استخدام الدولار الأمريكي جاء علي اعتبار أن الفلسطينيين يعتمدون علي الدول المانحة في الدرجة الأولي , ناهيك عن تعاملهم مع مؤسسات مالية ونقدية دولية "البنك الدولي ,صندوق النقد الدولي ... وغيرها " وهذه المؤسسات تعتبر الدولار الأمريكي أهم عملة دولية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا .

أما الدينار الأردني فقد جاء التعامل به كون الضفة الغربية كانت جزء من المملكة الأردنية ,وكانت عملتها المستخدمة هي الدينار ولا زالت حتى يومنا هذا .

وهذا سبب عدم التزامنا بأسعار البورصة التي تُحدد قيمة العملات، فهي متروكة لحاجة السوق والعرض والطلب والسوق السوداء واحتكار الصرافين، وتفردهم في تحديد السعر الذي يتماشى مع مصالحهم وحسب احتياجاتهم.

بعد قيام البنك المركزي الأميركي بإصدار ، النسخة الجديدة من الدولار ذات اللون الأزرق، بدأت المؤسسات المصرفية والبنوك ومراكز الصرافة ,في غزة بالتلاعب بسعر صرف الدولار للمواطن، والتمييز بين الورقة البيضاء والورقة الزرقاء، حيث يتم صرف الورقة البيضاء بسعر أقل من الورقة الزرقاء، وذلك بعد امتناع البنوك ومحلات الصرافة والصرافين المتجولين عن استلام الورقة البيضاء، بحجة أن الزبائن لا ترغب بتداولها، وتتذرع البنوك في غزة بأنّ الاحتلال الإسرائيلي يمنع ترحيل العملات القديمة واستبدالها بحديثة، من وإلى القطاع.

و في ظلّ غياب الرقابة الإدارية والمالية على سوق صرف العملات في قطاع غزة، يتم يومياً تداول العشرات من أوراق الدولار البيضاء القديمة في السوق المحلي، بهدف الكسب غير المشروع، من خلال خلق فرق في سعر صرفها، مما يساهم بقدر كبير في إلحاق الخسائر بالمواطن مما ينعكس على تردي الحالة الاقتصادية والمعيشية، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الكارثية التي يمر بها القطاع.

فقد بات المواطنون في غزة يشتكون من حالة الابتزاز التي يمارسها أصحاب شركات الصرافة من التلاعب بسعر صرف العملة من فئة الدولار، حيث يشترط أصحاب تلك الشركات تحويل الدولار إلى الشيكل بخسارة أكبر من القيمة الأساسية لسعر صرف الدولار، وذلك بحجة أن الورقة مغسولة وقديمة ويصعب تسويقها، وهو ما أثار غضب المواطنين نتيجة الفرق الكبير في سعر الصرف.

ولا أحد ينكر أن الدولار الأمريكي أحد أهم العملات الأساسية التي يتم تداولها في الأراضي الفلسطينية ويتقاضى جزء كبير من الموظفون رواتبهم بها.

                                                                    كيف يتم غسل الدولار؟

يلجأ البعض إلى غسل الدولار بمواد كيماوية لإزالة العفن الناتج عن سوء التخزين,وتعتبر  مادة الكلور أحد المكونات الأساسية التي تدخل عملية غسيل العملة الورقية، ثم يتم تجفيفها في الهواء الطلق وتحت أشعة الشمس أو باستخدام المكواة,ما ينتج عن هذه العملية بهتان لون العملة "تغير لونها "، وأن تكرار عملية الغسل يضعف بنية العملة وتصبح قابلة للتمزق بسهولة.

وهناك من الناس من يقوم بتخزين العملة بطرق غير صحيحة , مثل تخزين العملة تحت الملابس , أو داخل أكياس بلاستيكية , مما يساعد علي توفر بيئة خصبة لتعرض تلك الأوراق إلي الرطوبة , التي من الممكن أن تتحول إلي عفن ناتج عن طول المدة الزمنية .

الأخصائي في الشئون المالية والمصرية فايز زعيتر يؤكد أن :"  الأزمة الحالية هي نتاج لسياسة الحصار الإسرائيلي الذي يطال القطاع المصرفي، وهو ما تسبب بعدم قدرة البنوك الفلسطينية على ترحيل أي عملات نقدية تالفة  إلى البنوك الإسرائيلية ومنها إلى الخارج لكي يتم استبدالها".

وقال زعيتر:" إن كميات كبيرة من عملة الدولار تراكمت في قطاع غزة مع مرور الزمن،ومع استمرار عملية تراكم الأموال، أصبحت البنوك غير قادرة على قبولها على اعتبر أنها "مخاطرة" في ظل عدم وجود أي حلول لها، أو أن تكون "فاعلة ومنتجة".

وتابع زعيتر : "بدأ الناس يفضلون الدولار الأزرق الجديد على القديم المتهرئ حتى لو اضطر لدفع ثمنه أكثر قليلا، حتى لا يخسر خلال عملية تبديل العملة لاحقا".

وبيّن زعيتر أن "تلك الأزمة تسببت في خسائر اقتصادية لدى الناس، مشيرا إلى أن نسبة الخصم خلال عملية تبديل الدولار القديم بالجديد وصلت إلى أكثر من 7% من سعر العملة".

وفي ذات السياق وصف الخبير الاقتصادي مهدي الأعرج الخبير الحالة بأنّها: "استغلال غير شريف من بعض الصرافين للمواطنين، موضحاً أنّ هناك محاولات من بعض الصرافين لتحقيق مكاسب مالية على حساب المواطن".

ويؤكد الأعرج أنه جري مؤخراً :" استبدال الكثير من العملات التالفة بأخرى جديدة، وهذا ما أزاح بعضاً من المخاوف والقلق من امتلاك عملة بوصفها تالفة أو مغسولة ".

ويشدد الأعرج علي أنّ:" هذه القضايا لا تنقص على الإطلاق من قيمة العملة، ولا تشكل مساسًا بها، محذراً من أنّ قطاع غزة يعاني اليوم نقصاً في القيم والأخلاق التجارية وخاصة في سوق العملات".

مؤكداً أن:"القانون يلزم الجميع، لكن القانون يحتاج إلى جهات رقابة ومتابعة، وأعتقد أنّ الرقابة والمتابعة غائبة وغير موجودة، وهذا ما شجع البعض على الاستغلال وسبب غياب الرقابة بحسب الأعرج هو تشابك المصالح، وتزاوج المال المستثمر، وتحالفات غير معلنة منوها إلي أن استغلال المواطنين فيما يتعلق بصرف العملات لا يقتصر على محالّ الصرافة؛ بل يشمل البنوك أيضا ".

المواطن في غزة يعتبر ما يجري هو عملية "احتيال ونصب" من قبل البنوك وأصحاب محال الصرافة الذين يقومون بالخصم من قيمة سعر الصرف الأصلي تحت ذرائع في بعض الأحيان واهية ولا أساس لها من الصحة.

مطالبين سلطة النقد بضرورة تحمل مسؤوليتها تجاه ما تقوم به البنوك وأصحاب محال الصرافة في القطاع والعمل على توفير عملات جديدة من الدولار تتناسب واحتياجاتهم، واستبدال التالف منها كي تنتهي هذه الأزمة المتفاقمة .

يذكر بأن قطاع غزة يعاني من حصاراً إسرائيلياً منذ ما يزيد عن اثني  عشر عاماً على التوالي , وما نتج عن هذا الحصار من أزمات اقتصادية ومالية مستفحلة أصابت القطاع المصرفي،بل وأصابت كافة نواحي الحياة , وما زاد الأمور تعقيدا و سوءًا وتدهورًا  قرارات الرئيس عباس، في أبريل من العام الماضي، بتقليص الدعم الموجه لغزة من الكهرباء، وخصومات على رواتب موظّفي السلطة، وإيقاف التحويلات البنكية، في حين تصرّ الحكومة على عدم إدراج غزة ضمن موازنتها السنوية أو حتى صرف أي أموال للقطاع, كل ما سبق أثر بشكلٍ كبير على النواحي الاقتصادية والقطاعات المختلفة كافة.