مسيرات العودة انجازات وإخفاقات


آخر تحديث: September 24, 2018, 10:28 pm


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير محمد عابد

مُنذ حلول شَهر فِبراير المنصرم واستعدَادًا ليَوم الأرض، كَانت الأُطرُوحات القَديمة الجَديدة تُراود الشّعب الفِلسطيني باجتِياح الحُدود سِلميًا ومَدنيًا، هِي نَفس تِلك الفِكرة التي طَرحَتها هِيلاري كلِينتُون عَلى نتنياهو عِندمَا طَالبَته بوَقف الاستيطان وإفسَاح الطّريق أمَام المُفاوضَات، حِينها قَالت كلِينتُون إذا مَا فكّر الفِلسطينيّون باجتيَاح الحُدود مَدنيًا رافِعين الأعلَام البيضَاء، كَيف ستتصرّفون أمَام العَالم، وكَم ستقتُلون مِن الفِلسطينيين المَدنيّين، وعِندها إسرائيل ستخسَر ولن يُفيدها مُفاعل ديمُونا وغيرُه مِن الأسلِحة، قد تكُون تِلك المقُولة قَد شجّعت الكَثير مِن أبناء الشّعب الفِلسطيني أن يُحاول أن ينفّذ الفِكرة بَعد أن أصبَح مِن الصّعب تحقِيق أيّ إنجَازات بِواسِطة المفاوضات أو المُقاومة العسكرية أو كما أطلق عليها في المؤتمر السادس لحركة فتح المُقاومة السّلمية "الذّكية",عِلمًا بأنّ تِلك المُقاومة الذّكية أو السّلمية لم نَراها فِي الضّفة الغَربية.

واستمرت غزة في تجهيزاتها لتنفيذ فِكرة مَسيرة العَودة كَما تمّ طَرحها لتنفِذ عَمليًا عَلى الأرض، وكانت الخطوات مُتَّخَذَةً من مناسبة يوم الأرض 30 مارس تاريخًا تُجَدّد به غزة حبَّها للأرض، وعلاقتها بها، فكان يوم الزحف الأكبر، وكانت غزة المميزة في كل شيء تعلن عن وجهٍ جديدٍ من أوجه مقاومتها السلمية، مطالبة بالعودة للديار التي أُخْرِج منها القوم عُنْوَةً، وبالقوة مذكرين المجتمع الدولي بالقرارات التي صدرت عنه، والتي تنصص على حمايتهم كلاجئين.

كعادتها وبعنجهية وقُوّة، واجه الاحتلال هذه المسيرات الشعبية التي خرجت بعشرات الآلاف، فأطلق ناره، وصَبَّ جام غضبه على العزل، فارتقى بالجمعة الأولى وبيوم الأرض ما يزيد عن ثمانية عشر شهيدًا، وآلاف الإصابات وحلقت الطائرات، وتصدَّى الفتية بأجسادهم العارية لهذه النيران،وكانت الملحمة التي سيخلدها التاريخ ملحمة العودة الكبرى للقدس والديار التي هُجّر منها الشعب.

في ذلك اليوم خرجت كل أطياف الشعب الكبير والصغير، الغني والفقير، المتحزب والمستقل، ليرسموا وعبر الكوشوك واللون الأسود الذي طبع على أكف الشباب "شحبار" حكاية شعب مبدع في كل شيء، حتى حين ذهب باتجاه هذا الشكل من أشكال المقاومة السلمية أبدع.

كانت الصور التي تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي غاية في الروعة، عشرات آلاف الإطارات ترسم حدود الوطن تعلن عن المسيرات التي ستخرج من هذا القطاع لتعيد البلاد، أشعلت الإطارات وحملت الرياح التي وقفت مع الشعب المظلوم سحب الدخان باتجاه الوطن السليب، وتشكلت سحابة من الدخان الأسود كتب وسطها سنعود.

اليوم وبعد هذه الأشهر الطويلة , وتزايد أعداد الشهداء والجرحى والمصابين والمعاقين الذين خلفتهم تلك المسيرات ,أصبح من الواجب علي كل وطني شريف أن يراجع مدي إيجابية تلك المسيرات , ويجيب علي الأسئلة التي باتت تتردد في الشارع الغزي عن أخفاقات وانجازات مسيرات العودة .

الكاتب والمحلل السياسي جمال عبد الناصر أبو نحل يري أن : "الثمن لتلك المسيرات السلمية كان مؤلماً وكبيراً، وباهظ جدًا، ارتقت أرواح مئات من الشهداء، وأُصيب الآلاف، بالرصاص وجُلهم إصابات خطيرة جدًا تسببت لهم بعاهات وإعاقات جسدية مستدامة، وبعض المصابين برصاص العدو فقد أطرافه السفلية، وعشرات من المصابين فقدوا أعينهم"

ويضيف أبو نحل:" أن النتيجة في النهاية تساوي صفر، وأقل من الصفر، وأصبحنا نطالب بحل إنساني لقطاع غزة,  وأن حركة حماس أضحت تطالب بأسوأ من اتفاقية أوسلو بكثير، فلقد كان في غزة مطار، وميناء، وكهرباء 24 ساعة متوفرة ووظائف وعمل، ولم يكن عدد شباب ضائع ومعاق بهذا الشكل الرهيب، والذي بعضهم لا يجد اليوم ثمن الدواء أو قوت يومهِ، وأضحت والبطالة مستشرية، والوضع العام مؤلم ومُظلم , ناهيك عن خسارتنا لخيرة شباب غزة، والذين أصيبوا برصاص القنص الغادر، من قبل قوات المحتل المُجرم، مما أدي إلي بّثر في أطرافهم، ولتلازمهم الإعاقة للأبد, وحجم الشهداء والجرحى بات يطرح تساؤلا بحسب أبو نحل في الشارع الفلسطيني مفاده إذا كانت لدي حركة حماس القدرة على اللجوء للمقاومة المسلحة، فلماذا لا تفعل؟"

ويؤكد أبو نحل:" أن حماس لم تعد قِّبلُتهُم تحرير القدس بل رفع الحصار، ولم يبقي شعارهم "هي لله"، ولن نعترف بإسرائيل, فهل دم الشهداء، والجرحى وأبناء الشعب الفلسطيني في غزة كان وقوداً لمصالحهم؟"

وأردف أبو نحل :"أن أننا نذهب للموت بأرجلنا، ونكون في ساحة مكشوفة في مرمي نيرات العدو، كشاخص للقنص، كأننا بطّ يتدرب جنود الاحتلال فنون القنص والقتل بلا أي ثمن، يتم اصطيادنا برصاص الغدر والقتل الصهيوني".

ويختم أبو نحل مؤكدا أن :" المتضرر الأكبر منذ 12 عاماً هو الشعب الفلسطيني وخاصة في غزة، ينوحُ كالطير مذبوحاً من الألمٍ، من فقر، وبطالة، وجوع، ومخدرات، وبالطبع قيادة حماس فقط تتنعم في رغد العيش، والحكم الرشيد، ولا مصالحة تلوح بالأفق بل انفصال.

على النقيض تري هناك من يقول أن تلك المسيرات لها إنجازاتها , فالكاتب والمحلل السياسي رامي الأسمر يري أن "هذه المسيرات أعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية، وأحيت فيها ما قد تنساه الأجيال مع الوقت، العودة ليست حلمًا للفلسطيني اللاجئ، العودة حقيقة حتمية أحيتها مسيرات العودة وأعادتها للصدارة الجمعة تلو الجمعة,العودة للحدود التي دخل منها سكان القطاع هي رسالة مفادها سنرجع من حيث دخلنا وأُخْرِجنا من ديارنا من هذا المكان ومن هذا المدخل، سنزيل الحواجز وسنعبر لأرضنا".

ويضيف الأسمر أن:" هذه المسيرات عملت علي إعادة توحيد الشعب وإحياء الروح المعنوية لديه بان هناك أمل في المصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني , حين رفع المتظاهرين  فقط العلم الفلسطيني وخلت منها رايات الأحزاب والفصائل، هي إحدى أهم وسائل توحيد الشعب الفلسطيني، فالكل الفلسطيني شارك في هذه المسيرات, وهذا أكثر ما يحتاجه الشعب المحاصَر أن يكون موحدًا خلف حقوقه".

وبحسب الأسمر أن العالم كله بات علي يقين اليوم أنه :" لا شيء يمكن أن يتم من دون حماس و هذا الشق السياسي الذي أثبتته حماس في هذه الخطوة، فالجميع يعلم أن حماس هي من تسيطر على قطاع غزة وهي من تحكمه، وهي التي تملك مفاتيح التهدئة،واليوم تريد أن تئد "صفقة القرن" قبل أن تولد، وهي التي تريد أن تشوه هذا الجنين غير الشرعي والناتج عن علاقة شاذة ما بين أميركا وإسرائيل، والقابلة عربان وعدتهم أميركا بالبقاء على كراسيهم، هي الحقيقة وبمهنية كاملة لا شيء يمكن أن يتم إن رفض الفلسطيني سواء كانت جهات رسمية أو حركات وطنية".

ويختم الأسمر :"من خلال هذه الإستراتيجية يمكن الضغط على الاحتلال الذي لم يخفِ انزعاجه من هذه المسيرات، فأكثر من نصف جيشه في حالة استنفار على الحدود الجنوبية للوطن المحتل، تقطع في كل جمعة أعياده ولا يستطيع قادته أن يعيشوا عطلة السبت المقدسة لهم, فإذا ما ضغطنا على الاحتلال، فالاحتلال سيسعى بكل الوسائل لإخماد هذا الحراك، وهو يعلم أن القوة لن تجدي نفعًا مع شعب قراره التصدي وأمنيته الحرية حتى لو استشهد، لذلك سيسعى الاحتلال ومن خلال أصدقائه العرب للضغط على حماس سواء بالترغيب من خلال فتح معبر رفح أو الترهيب من خلال التهديد بالحرب والتي لا يستبعدها أحد كخيار يمكن أن يذهب له الاحتلال".

وتبقي مسيرات العودة حتى هذه اللحظة متجددة , مستمرة ,وتبقي الآراء متباينة حول إبقاء تلك المسيرات ,أو العمل علي إنهائها , فمن يطالب اليوم ببقاء تلك المسيرات حماس لأنها تتعامل مع تلك المسيرات كطوق نجاة لها , ومن يطالب بإنهاء تلك المسيرات هو من يخاف علي أرواح أبنائنا ,من لديه حس وطني , من زار مستشفيات القطاع وشاهد حجم الإصابات وبشاعتها , من خرج ابنه من البيت في الصباح ماشيا علي قدميه ليعود بعد الظهر محمولا علي الأكتاف .