عباس وإرث عرفات


آخر تحديث: September 22, 2018, 11:52 am


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

رغم انه كان قد رفع شعار أنه خليفة عرفات والمحافظ على إرثه وتراثه, حين تم اختياره من قبل " نخبة فتح " ما بين عامي 2004_2005, كخليفة للراحل العظيم, إلا أنه لا يمكن ولا بأي حال من الأحوال أبو بأي شكل من الأشكال القول بثقة بأن محمود عباس قد حافظ على أرث ياسر عرفات الوطني ولا على تراثه الكفاحي, بل إنه قد سار على طريق آخر يختلف تماما عن الطريق السياسي الذي سار عليه الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني .
ولذلك أسباب عديدة, لعل منها أن شخصية عباس تختلف أصلا وتماما عن شخصية عرفات, فإذا كان الراحل عرفات قد ظهر كناسك وطني, وكزاهد في كل مظاهر"ترف الحكم والسلطة", متواضعا كما كان عليه حال المهاتما غاندي, فإن عباس قد ظهر على غير ذلك, فشيد قبل أن تطأ قدمه مدينة غزة "فيلا أبو مازن" قريبا من شاطيء بحرها الذهبي, دون أن يسكنها إلا لماما, في حين كان يبيت عرفات في غرفة متواضعة بمبنى تلفزيون فلسطين, في المنتدى, وإذا كان أبو عمار قد عاش وقضى شهيدا, وهو يرتدي الكوفية وبزة الفدائي, فإن عباس لم يرتد في حياته سوى الزي الرسمي الأنيق .
وإذا كان أبو عمار هو الذي ابتكر صورة الفدائي المقاوم فان عباس لم يكن يوما فدائيا, وإذا كان أبو عمار قد عاش ومات على صورة الفلسطيني الوطني, فان عباس ظهر على صورة السياسي فقط, وإذا كان عرفات قد حرص دائما على صفة القائد, فان عباس لم يظهر إلا كرئيس !
وأبو عمار الذي شق طريق الكفاح المسلح, وقاد الشعب الفلسطيني لتحقيق الانجازات, وقام ببعث الهوية الوطنية, طوال عقود طويلة من الكفاح الدءوب والمتواصل, فإن محمود عباس, لم يحقق أي انجاز يذكر, بل إن أوسلو _ منجزه الرئيسي أو حتى الوحيد_ قد سارت في عهده على طريق الضياع والتآكل, لما كانت قد حققته أو انتزعته الانتفاضة الأولى من انجازات سياسية, كان في مقدمتها فرض الاعتراف ب م ت ف على إسرائيل, وفرض أقامة أول سلطة وطنية على الأرض الفلسطينية . 
عاش أبو عمار مع الكبار, خليل الوزير وصلاح خلف, أبو إياد, أبو يوسف النجار وأبو صبري صيدم, ماجد أبو شرار, كمال عدوان وكمال ناصر, وخالد الحسن, ورافق الحكيم جورج حبش ونايف حواتمة وسمير غوشة واحمد ياسين, أما عباس فقد ضاق ذرعا بالكبار, فقام بإخراجهم من الصف القيادي الفتحاوي أولا والفلسطيني ثانيا, تباعا واحدا تلو الآخر, وضاق ذرعا حتى ممن قد "عمل" مع عرفات, في المطبخ القيادي, أن كان في مركزية فتح أو مؤسسات السلطة, وما هما إلا مؤتمرين فتحاويين ومجلسا وطنيا, وكان كل "الصف الأول" قد صار في جيب الرجل . 
وإذا كان أبو عمار عرّاب الوحدة الوطنية التي حرص عليها كمفتاح للنصر, فإن عباس كان مسئولا عن الانقسام, وفي حين كان عرفات يصر على القرار الوطني المستقل, فإنه لا يمكن القول بأن قرار فلسطين كان مستقلا تماما في عهد عباس . 
تطول قائمة المقارنة ولا تتوقف عند حد الفجيعة, التي تعني بان الشعب الفلسطيني باستشهاد عرفات قد فقد قائده وزعيمه وفارس كفاحه الوطني, وان إسرائيل حين أقدمت على اغتياله كانت تعرف ما سيؤول عليه الحال من بعده, ففلسطين أولا وأخيرا أنما هي جزء من العالم الثالث الذي يكون فيه للأفراد دور خاص وعظيم في صنع التاريخ . 
لذا فان كان عرفات قد حقق آخر أمنيه شخصية له وهي الشهادة, فإن عباس لن يغيب بالصورة التي غاب فيها سلفه, والأهم هو أن الشعب الذي ما زال وسيظل مهما طال الزمان يحتفظ بذاكرته الحية بذكرى الزعيم التاريخي, لن يحتفظ بذاكرته بصورة مشابهة للرجل الذي جلس في المكان الذي تركه وراءه .
فأبو عمار خالد في التاريخ, أما عباس فلن يكون إلا عابرا فيه, والشعب يتطلع بعيون قلقة منذ سنوات ليرى خليفة آخر يختلف عنه تماما ولا يرث طريقه أو سياسته . 
ليس غريبا بعد ذلك أن تمر ذكرى ميلاد عرفات وذكرى استشهاده دون أن تحتفي المؤسسة الرسمية بعظمة الذكرى , ولا حتى ذكرى انطلاقة الثورة, حيث تحولت فتح نفسها من حركة تحرر في ظل عرفات, إلى "حزب حاكم" في عهد عباس . 
أليس مثيرا للانتباه أن لا تهتم المؤسسة الرسمية بأيقونة الكفاح الوطني وعنوانه ورمزه, فتنشر أرثه وتراثه في كل مكان, كما تفعل جنوب أفريقيا مثلا مع الزعيم نيلسون مانديلا, أين هي تماثيل عرفات في المدن الفلسطينية, وأين هي الشوارع التي تحمل أسمه, وأين هي المدارس والمستشفيات, أين هي صوره على الورق الرسمي, وفي المواقع وعلى العملة الوطنية, بل أين هي أسماء الشهداء العظام والراحلين الكبار من قادة الوطنية الفلسطينية, ولا مجال لتعداد أسمائهم فهي بالمئات والألوف, وهذا أمر ضروري لمن كان حريصا على الاستمرار في بعث الهوية الوطنية . 
حتى مؤسسة عرفات قد طالها العبث أن كان من خلال التدخل في مجلسها القيادي, أو في عدم الاهتمام بما تقوم به, ولا حتى عائلة عرفات نفسه, ولعل استقالة الأخ ناصر القدوة مؤخرا دليل أضافي آخر, على عدم الوفاء لأرث وتراث عرفات .
أخيرا نقول, بان ما كان يقوله الراحل العظيم عرفات ليل نهار من أن شبلا من أشبال فلسطين أو زهرة من زهراتها, وكان يقصد أبناء الفدائيين, سيظهر يوما ويرفع العلم الفلسطيني على مآذن وكنائس القدس, ففلسطين رحم خير ينجب العظماء دائما, ومن يحقق النصر في نهاية المطاف, لن يكون إلا مناضلا وطنيا, يلوح بالكوفية والعلم, ممتلئا بإرث وتراث فلسطين الحي والثري والمفعم بالكفاح والتضحية, التراث الذي لم تصل إليه رطوبة الكراسي الوثيرة, والذي لم يعلق بأثواب المترفين من بيروقراطيي نظام السلطة المستبدة .