وصية كارلوس فوينتيس الأدبية في رواية «فيديريكو على شرفته»


آخر تحديث: September 14, 2018, 2:41 pm


أحوال البلاد

 

كثيرة هي المرات التي عبّر فيها الكاتب المكسيكي الكبير كارلوس فوينتيس (1928- 2012) عن كرهه لفكرة سرد حياته الصاخبة في كتاب. وفي هذا السياق، صرّح يوماً: «أن نكتب سيرتنا الذاتية هو مثل أن نحفر كلمات على قبرنا». لكن هذا لم يمنعه في عامه الأخير من خطّ رواية بعنوان «فيديريكو على شرفته» قد تكون الأكثر ذاتية في إنتاجه، واعتبرها بعض النقّاد وصيته الأدبية. نصٌّ مذهل على أكثر من صعيد صدرت ترجمته الفرنسية حديثاً عن دار «غاليمار» الباريسية ويُثبِت، إلى جانب موهبة فوينتيس السردية الفريدة التي لطالما سمحت له بطرح داخل رواياته وقصصه أفكارٍ جوهرية، غالباً بحسٍّ دعابي عالٍ، بقاءه حتى النهاية مراقباً بصيراً لعالمنا.


تنطلق أحداث الرواية مع خروج راويها، دانتي لوريدانو، إلى شرفة الغرفة التي يقطنها في فندق «ميتروبول» بحثاً عن نسمة هواء تلطّف قيظ مسائه. وحين يلاحظ وجود شخص آخر على الشرفة المجاورة، يعجز عن منع نفسه من استراق النظر إلى وجهه المألوف، بحاجبيه الكثّين السوداوين وشاربيه اللذين يغطّيان فمه. وحين يقدّم هذا الشخص نفسه له تحت اسم فيديريكو نيتشه، تتبدّد حيرة دانتي وينطلق حوار بينهما يتطرّقان فيه إلى مواضيع عامة وخاصة لا تحصى.

لكن ما قد يبدو في البداية مجرّد حوارٍ بين رجلين خلال ليلة صيفية حارّة، يتحوّل بسرعة تحت أنظارنا إلى متاهة لا سبيل للتقدّم داخلها إلا بالسير خلف فوينتيس بطريقةٍ عمياء. فمن هذا الحوار تنبثق بسرعة زوبعة من القصص المبلبلة التي نتعرّف إلى شخصياتها بالتتابع: شاوول مِنديس المثالي، هارون أذار الأبيقوريّ، أندريا دِل سارغو الثوري، ليوناردو- شقيق دانتي- الذي لا شيء يكبح طموحه إلى السلطة والثراء، والدة دانتي المتشبّثة بإرثها الأرستقراطي، الشابة غالا التي تسعى إلى إقامة علاقة ثلاثية عفيفة مع دانتي وليوناردو، من دون أن ننسى الفتاة الصغيرة إيليزا التي تختبر أشنع وسائل العنف والاغتصاب على يد عشيق أمّها، بالتواطؤ مع هذه الأخيرة. قصص يتعذّر استخلاص خطّ موجّه لها نظراً إلى تعقّد أحداثها بطريقة تصاعدية وتداعي التأملات فيها بطريقة عشوائية وتشعُّبها وتداخُلها بطريقة جنونية.


الشيء الوحيد الواضح في هذه الرواية هو أن حوار دانتي ونيتشه يرسم تدريجاً جدارية لبلدٍ يشهد ثورة اجتماعية. أما المواضيع المقاربة في هذا السياق فتتسلسل بشكلٍ يختلط فيه الواقع بالخيال، على خلفية أفكارٍ ومراجع فلسفية وسياسية وتاريخية غزيرة، ما يخلق تعقيداً ينخرط ضمن تقليد الرواية الأميركية اللاتينية، ويتعذّر فكّ خيوطه بقراءة واحدة للنص.

هكذا يقودنا فوينتيس إلى عالمٍ لا حدود جغرافية فيه، بعدما عبرته العولمة، عالمٌ هو عالمنا وفي الوقت نفسه فضاءٌ نشعر بغربة وغرابة داخله، تماماً مثل لوحات لو غريكو التي تتضمّن واقعاً آخر غير الأجساد الممدَّدة فيها. ولا عجب في ذلك، فلطالما شكّلت حال عالمنا وتطوّره شاغلاً مركزياً لدى هذا العملاق، منذ روايته الأولى «المنطقة الأكثر شفافيةً» (1958)، وموضوعاً لا ينضب قاربه في كل مرّة بطريقة متجدِّدة. وسواء تحدّث عن الأطفال المعذّبين داخل عائلاتهم، مثل الفتاة إيليزا التي ستقتل والديها بالتبنّي لعدم تمكّنها من قتل أمّها وعشيقها، أو تحدّث عن النقابيين الذين يخونون ثقة رفاقهم في النضال من أجل بلوغ السلطة، مثل المحامي هارون أذار الذي سيوقّع على قرار إعدام صديقه دانتي كي يتجنّب المصير نفسه ويقود اللجان الثورية، ينطلق فوينتيس دائماً في تحليلاته الثاقبة من حالات فردية لكشف حوافز الكائن البشري العميقة ونتائجها على الجماعة والعالم عموماً.

وهذا ما يقودنا إلى شاغلٍ مركزي آخر لديه، يتقاسمه مع الفيلسوف نيتشه، ونقصد السلطة التي تدفعنا إليها إرادة القوة الكامنة فينا: مَن يملك الحق في امتلاكها، الشعب أم حفنة من البشر؟ كيف نستولي عليها؟ وخصوصاً، ما هي طبيعتها؟ موضوعٌ يقلّبه الكاتب في كل الاتجاهات ويتفحّص كافة جوانبه، مستعيناً في ذلك بأمثلة كثيرة. وحتى القارئ الذي لم يطّلع على كتابات نيتشه يتآلف في هذه الرواية مع أبرز أفكاره: فكرة «الرجل المتفوّق» التي شوّهها منظّروا النازية لتبرير عقيدتهم القاتلة، فكرة «موت الإله» ونتائجها على حياتنا، فكرة «العَوْد الأبدي»... وفي هذا السياق، يتحوّل فوينتيس، الذي يتحاور في نصّه مع ظلّ الفيلسوف الألماني ويفسّر كتاباته، إلى ماكيافيلّي جديد لا يؤدّي دور المستشار بل دور المراقب الذي يتأمّل بعينٍ باردة ما آل إليه وضع عالمنا.

وفعلاً، بعد الجزء الأول من الرواية الذي نستشفّ فيه جانباً لعبياً فكاهياً من خلال شخصيات رمزية مرسومة بدقّة مدهشة وتتجاوب في ما بينها بطرافة ممتعة، يتعزّز التأمّل الفكري في الجزء الثاني وتُناقَش بعمقٍ مفاهيم جوهرية، كالحرّية وقدر الإنسان أو الأمة وواقع التاريخ والإرادة الحرّة، لكن من دون أن يُثقِل ذلك خطاب الرواية أو يجعله عسيراً. وهذا ما يفسّر من دون شك رؤية عدد من النقّاد المكسيكيين في هذا العمل وصية فوينتيس الأدبية. وإذ يتعذّر علينا الحسم لمصلحة هذه الرؤية أو ضدها، يمكننا على الأقل التأكيد أن هذه الرواية تضعنا وجهاً لوجه مع خلاصة فكره.

وبالتالي، كيف يمكن تصنيف «فيديريكو على شرفته»؟ هل هي حكاية فلسفية؟ خطابُ مجنونٍ؟ جردة حساب سلبية لعصرنا؟ إعادة قراءة نقدية لفكر نيتشه؟ إنها كل هذه التوصيفات وشيءٌ آخر. إنها كتابٌ طموح يتعذّر توقّعه ويلقي ضوءاً كاشفاً على حاضرنا. إنها نصٌّ مستحيل يتطلّب من قارئه أن يتقبّل الضياع في متاهته كي يُمسك به، نصٌّ لا يتوق إلى تقديم حلول لأيّ مشكلة بقدر ما يتوق إلى طرح أسئلة وكشف من خلالها تعقيد عالمنا، بمفارقاته وتناقضاته.

يبقى أن نشير إلى أن قرّاء كثر قد يشعرون بضيقٍ كبير لدى قراءة هذه الرواية، وبالتالي برغبة في إغلاقها ووضعها جانباً، نظراً إلى صرحها المفكَّك وجنون نثرها وافتقادها لأي منطق في تسلسل أحداثها. ولكن هذا لا يبرّر إطلاقاً إجماع النقّاد الفرنسيين الفاضح على إهمالها، منذ صدور ترجمتها الفرنسية.