مصير اتفاق أوسلو بعد ربع قرن من توقيعه


آخر تحديث: September 14, 2018, 4:45 am


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير محمد عابد

يعد اتفاق أوسلو منعطفا هاماً في مسار القضية الفلسطينية، فقد أنهى النزاع المسلح بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، ورتب لإقامة سلطة وطنية فلسطينية في الضفة الغربية وغزة,هذا الاتفاق الذي يسمي أيضا باتفاقية إعلان المبادئ والتي تنص على إجراء مفاوضات للانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية وغزة على مرحلتين: - المرحلة الأولى" الإعدادية" تبدأ في 13/10/1993 وتنتهي بعد ستة أشهر، وفيها تجرى مفاوضات تفصيلية على محورين:

المحور الأول:

الانسحاب الإسرائيلي من غزة وأريحا، وينتهي هذا الانسحاب في غضون شهرين، ويجري انتقال سلمي للسلطة من الحكم العسكري والإدارة المدنية الإسرائيلية إلى ممثلين فلسطينيين تتم تسميتهم لحين إجراء انتخابات المجلس الفلسطيني.

لن يكون الأمن الخارجي والعلاقات الخارجية والمستوطنات من مهام السلطة الفلسطينية في المناطق التي سينسحب الجيش الإسرائيلي منها.

أما بالنسبة للأمن الداخلي فسيكون من مهام قوة شرطة فلسطينية يتم تشكيلها من فلسطينيي الداخل والخارج مع وجود لجنة للتعاون الأمني المشترك.

كذلك يشكل صندوق طوارئ مهمته تلقي الدعم الاقتصادي الخارجي بطريقة مشتركة مع الجانب الإسرائيلي، ويحق للطرف الفلسطيني أن يسعى للحصول على هذا الدعم بطريقة منفصلة كذلك, ولا يمانع الاتفاق في وجود دولي مؤقت للإشراف على المناطق التي سيتم الانسحاب منها.

بعد التوقيع على هذه الاتفاقية تنسحب إسرائيل تدريجياً وينتهي في غضون أربعة أشهر 13/4/1994.

المحور الثاني:

تنص الوثيقة فيه على تشكيل سلطة حكم فلسطيني انتقالي تتمثل في مجلس فلسطيني منتخب يمارس سلطات وصلاحيات في مجالات محددة ومتفق عليها لمدة خمس سنوات انتقالية.

تنص الوثيقة كذلك على أن لهذا المجلس حق الولاية على كل الضفة وغزة في مجالات الصحة والتربية والثقافة والشؤون الاجتماعية والضرائب المباشرة والسياحة إضافة إلى الإشراف على القوة الفلسطينية الجديدة، ما عدا القضايا المتروكة لمفاوضات الحل النهائي مثل" القدس، والمستوطنات، والمواقع العسكرية، والإسرائيليين المتواجدين في الأرض المحتلة".

بالنسبة لانتخابات المجلس التشريعي فتدعو وثيقة إعلان المبادئ إلى أن تتم تلك الانتخابات تحت إشراف دولي يتفق الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي عليه، وتتم هذه العملية في موعد أقصاه تسعة أشهر من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ الفعلي أي في 13/7/1994، وتفصل الاتفاقية فيمن يحق لهم المشاركة في تلك الانتخابات خاصة من القدس. أما نظام الانتخاب وقواعد الحملة الانتخابية وتنظيمها إعلامياً وتركيبة المجلس وعدد أعضائه وحدود سلطاته التنفيذية والتشريعية فكلها أمور متروكة للمفاوضات الجانبية بين الطرفين.

تنص الوثيقة أن المجلس الفلسطيني بعد تسلمه صلاحياته يشكل بعض المؤسسات التي تخدم التنمية مثل سلطة كهرباء فلسطينية، وسلطة ميناء غزة، وبنك تنمية فلسطيني، ومجلس تصدير، وسلطة بيئة فلسطينية، وسلطة أراض فلسطينية، وسلطة إدارة المياه الفلسطينية.

المرحلة الثانية"الانتقالية"

تبدأ بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة وأريحا، وتستمر لمدة خمس سنوات تجرى خلالها انتخابات عامة حرة مباشرة لاختيار أعضاء المجلس الفلسطيني الذي سيشرف على السلطة الفلسطينية الانتقالية، وعندما يتم ذلك تكون الشرطة الفلسطينية قد استلمت مسؤولياتها في المناطق التي تخرج منها القوات الإسرائيلية خاصة تلك المأهولة بالسكان.

كما تنص الوثيقة على تكوين لجنة فلسطينية إسرائيلية مشتركة للتنسيق وفض الخلافات، وأخرى للتحكيم في حال عجز اللجنة الأولى عن التوصل إلى حل الخلافات.

وتحث الوثيقة على ضرورة التعاون الإقليمي في المجال الاقتصادي من خلال مجموعات العمل في المفاوضات متعددة الأطراف.

وبالنسبة لمفاوضات الوضع النهائي فقد نصت الوثيقة على البدء في تلك المرحلة بعد انقضاء ما لا يزيد عن ثلاث سنوات والتي تهدف بحث القضايا العالقة مثل" القدس، والمستوطنات، واللاجئين، والترتيبات الأمنية، والحدود، إضافة إلى التعاون مع الجيران وما يجده الطرفان من قضايا أخرى ذات اهتمام مشترك"، كل ذلك سيتم بحثه استناداً إلى قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338.

اليوم وبعد ربع قرن من توقيع اتفاق أوسلو من قبل كل من الشهيد ياسر عرفات ورئيس وزراء الكيان الصهيوني، إسحاق رابين، لا زال البعض يري أن هذه الاتفاقية قد تم وئدها من قبل الجانب الإسرائيلي والراعي لتلك الاتفاقية ألا وهو الجانب الأمريكي , أما علي الصعيد الفلسطيني فهناك من رأى أن التطور في حينه إيجابياً للفلسطينيين، باعتبار أنه سينشئ لأول مرة منذ ضياع فلسطين دولة فلسطينية موطئ قدم في جزء من الوطن التاريخي,و لكن ذلك كان تعزية بائسة للذات، والتي تعامت عن المقدمات القاتمة التي أفضت إلى أوسلو.

الكاتب والمحلل السياسي علاء الدين أبو زينة يتحدث لأحوال البلد أوسلو بعد ربع قرن ويراها مسخ ميت سريرياً وبحسب أبو زينة فان أوسلو تم دفنها منذ زمن حتى قبل توقيعها بزمن بعيد وعن الظروف الإقليمية التي سبقت توقيع اتفاق أوسلو ,حين تحطم الوعد الذي جلبه إعلان مشروع الكفاح المسلح من أجل التحرير في 1965, وقد بدأت الرصاصة الأولى في تلك الجولة من الصراع حركة تحرر وطني منظمة، تجمع بين العمل العسكري والنضال السياسي, لكن البندقية الفلسطينية سرعان ما طوردت بقسوة ,لمختلف الأسباب الموضوعية والذاتية, من محيط فلسطين القريب، وتُركت للخروج الأخير الصعب من بيروت في 1982, وعنى ذلك إبعاد التكوينات العسكرية الفلسطينية عن منطقة الاشتباك المباشر مع العدو, وكان ذلك نتيجة لخطأ استراتيجي تاريخي، هو اعتماد منطق تكوين جيش والغزو من الخارج بدلاً من تأسيس بني عسكرية بمواصفات ثورية داخل الوطن حيثما وكيفما أمكن ذلك, ومن البديهي أن لا تتسع الكرة الأرضية لجيش فلسطيني ينشأ ويعمل باستقلال وكفاءة جيش تحرير.

المقدمة الثانية لدفن اتفاق أوسلو قبل توقيعه بحسب أبو زينة تمثلت فى فادحة النتائج على القضية الفلسطينية كانت توقيع الرئيس المصري أنور السادات اتفاقيات كامب ديفيد مع العدو في 1978، بعد إهدار الفرصة العسكرية في حرب تشرين الأول أكتوبر 1973, وقد أخرجت الاتفاقيات من المعركة أهم نصير عربي للفلسطينيين، عسكرياً وسياسياً, وشكل الاتفاق سابقة أتاحت للعرب المترددين فيما بعد إتباع السابقة المصرية والتوقيع مع العدو.

المقدمة الثالثة وربما الأهم بحسب أبو زينة ، كانت قدوم القوات العسكرية الأميركية إلى المنطقة مباشرة لإخراج صدام حسين من الكويت، فيما عرف بعملية "عاصفة الصحراء" في العام 1991, وقد أحبطت تلك العملية الآمال الواهمة التي تعلقت على صدام وإمكانية مواجهة أميركا، وحيدت العراق عسكرياً وسياسياً أيضاً، للمزيد من كشف ظهر الفلسطينيين. كما عمقت الشعور العربي الجمعي بالهزيمة بطريقة بررت حتمية الذهاب إلى مؤتمر مدريد للسلام "أو التسليم" في الشرق الأوسط، لاحقاً في العام نفسه.

هذه المقدمات، بالإضافة إلى الانقسامات المتوالية في الصف العربي وداخل الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها، أرسلت الفلسطينيين إلى أوسلو في أردأ وضع ممكن.

وكانت تلك محاولة يائسٍ التعلق بشيء، والتي يبذلها خالي الوفاض، مجرداً من العمق العربي ومضحياً بالثوابت الوطنية، ومعوّلاً على أمل واهم بحسن نوايا الأمريكان.

ويضيف أبو زينة:"أنه اليوم ذكرى مرور ربع قرن على توقيع الاتفاق البائس يتزامن مع قرار الأمريكان إغلاق سفارة فلسطين في واشنطن، وبعد نقل سفارتهم إلى القدس وتطويبها للاحتلال، وقطع معظم التمويل عن السلطة الفلسطينية في الضفة المحتلة، واستهداف وكالة الغوث لإنهاء قضية اللاجئين.

وهو كله نتيجة متوقعة وفق أبو زينة تماماً بعد إخلال أميركا وكيان الاحتلال ببنود أوسلو وتواريخه النهائية مباشرة منذ سنواته الأولى. وقد استغل العدو الوقت الذي اشترته له الاتفاقيات بمثالية، فوسع مستوطناته، ورسخ احتلاله، واستعمل أمن السلطة لإحباط كل سبل المقاومة، وقسم الصف الفلسطيني، وأنشأ ما تدعى "الحقائق على الأرض" لقتل إمكانية نشوء دولة فلسطينية عاملة، وهيأ لما يحدث هذه الأيام بالضبط.

كما كان واضحا، كان أوسلو مخلوقاً مشوهاً بلا أطراف ولا قلب منذ البداية, فقد وُلد في ظروف ضاغطة غير طبيعية بلا أب معروف, وكان تكوينه يساوي 22% فقط في أحسن الأحوال من الكائن الطبيعي الذي ينبغي أن يكون فلسطين التاريخية, ولم تكن له يدان ورجلان ولا طاقة للحركة الذاتية، ولا إرادة أو كرسي متحرك أو عكازات أو أدوات.

 وعندما وُضع في "كوما" بعد الإخلال بشروط حياته خلال السنوات الأولى، وضعوه على أجهزة إعاشة وهو ميت سريرياً, وخلق وجوده بهذه الصفة آباء شغلهم الذي يعتاشون ويثرون منه هو السهر عند سريره، والاعتقاد بأن إعلان موته سيتركهم فائضين بلا عمل.

الآن، ربما يعلن الأمريكان موت مسخ أوسلو المشوه متوقف النمو بعمر 25 عاماً, ولا ندري! ربما يكون ذلك أفيَد، وأدعى لطرد الوهم والحياة والسعي إلى تبني كائن أكثر طبيعية وقابلية للحياة.