هذا ما تريده حماس من التهدئة


آخر تحديث: September 14, 2018, 4:43 am


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير محمد عابد

في قطاع غزة أينما ولّيت وجهك, كل شيء قابل للانفجار فالسحابة السوداء التي تنمو فوق سماء قطاع غزة تتشابك , ويقترب موعد ارتطامها ببعض لينهمر المطر على الجميع , ولكنه لن يكون مطرا كالذي نعرفه , بل سيكون مطرا من نوع جديد .

لقد وضعت حماس الملح على جروح القطاع وتريد استمراره مشتعلاً , فبالرغم من أن مسيرات العودة التي أخرجتها الحركة على السياج الحدودي لن تحدثاً فارقاً كبيراً بالمشهد أو القضية الفلسطينية غير أنها حققت بعض غاياتها على الصعيد الداخلي  إذ تعمد الحركة إلى قلب الطاولة و تحويل غضب وانتقادات الشارع الغزاوى لها  باتجاه  إسرائيل  .

فحماس قبيل حدوث المسيرات الحالية كانت بموقف لا تحسد عليه  خاصة وأنها المنوط بها توفير الاحتياجات الأساسية لنحو 2 مليون فلسطيني بغزة وفى ظل عجزها عن معالجة مشاكل القطاع والتي  دفعت بعض سكانه إلى ترديد مقولات على غرار : لو يحكمنا الصهاينة أحسن ما نموت من الجوع على أيدي حماس, اضطرت الحركة  إلى الالتفاف على الوضع والتفكير خارج لصندوق فقامت بتغيير إستراتيجيتها  باللجوء إلى الهبة الشعبية حيث أدرك قائد حماس يحيى السنوار ورفاقه أن العودة إلى الفلسفة السابقة ستكون أكثر فاعلية  وقد وجدت ذلك في مسيرات العودة الكبرى والتي خففت من حدة الضغط الداخلي، ومنحت حماس فرصة لتنفيس حالة الغضب ، لقد صنعت حماس من تلك المسيرة خطة تكتيكية , لحشد وتعبئة الداخل الفلسطيني وصرف أنظاره عن مشكلاته الحقيقة.

ومنذ ما يزيد عن الشهر والجميع يسمع الحديث عن التهدئة المزمع عقدها بين حماس وإسرائيل بوساطة مصرية , بعيدا عن السلطة الفلسطينية , ولكن هذه الجهود لم تؤتي أكلها حتى اللحظة ووسط إصرار حماس على تلك التهدئة يصبح لدي الجميع سؤال مهم جدا ألا وهو ماذا تريد "حماس" من التهدئة؟

الكاتب السياسي د.أحمد جميل عزم يري :"أنه من الصعب رؤية أي هدف يخص قطاع غزة والشعب الفلسطيني تسعى حركة "حماس" لتحقيقه من جهود التوصل إلى تهدئة مع الجانب الإسرائيلي، لم يكن متحققا وموجودا قبل العامين 2006 و2007 وما قبلهما، وتحديداً قبل قيامها بما يسمي بالانقلاب الذي قامت به حماس في قطاع غزة ".

ويضيف الدكتور أحمد أن :" الأهم من ذلك أنّ كل ما يتحقق من التهدئة سيتحقق إذا قبلت بشروط القيادة الفلسطينية للمصالحة، وهي" تسليم الجباية المالية، والأمن الداخلي والمقصود هنا بحسب عزم ليس سلاح كتائب القسام والفصائل بل سلاح السلطة "، سيفتح ذلك باب التهيئة لانتخابات، قد تؤدي لاستبدال القيادة الفلسطينية، على مستوى السلطة الفلسطينية على الأقل".

وفي قراءة لتصريح ماهر عبيد، عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" إنّ الأيام المقبلة قد تشهد تصعيدا في مسيرات العودة، ونقل الإعلام تصريحه "جماهير شعبنا إذا صعدت من مسيرات العودة، وشكّلت ضغطا وقلقا جديدا على الاحتلال؛ سيعلم أنه لا بد من التوصل للتهدئة، ودفع ثمن مقابل ذلك".

وحول هذا التصريح يوضح الدكتور أحمد عزم أنه:" إذا كانت مسيرات العودة، جزءاً من المقاومة وخطوة على طريق العودة للاجئين، وطريقة لحفظ هذا الحق، وحتى لإعلان الصمود والتمسك بالحق، فلا بد من الانحناء احتراماً لمن يقودها ويشارك فيها، ويضعها في سياق التحرر، لكن أن يكون هدفها التصعيد مقابل ثمن عاجل، فيصبح السؤال ما هو الثمن بحسب عزم ؟"

ويؤكد الدكتور عزم أن :"كل الأثمان المتوقعة للشعب الفلسطيني، تتلخص باستعادة وضع ما قبل 2007، فلا يوجد في ما يطرح أي ثمن سياسي، يتعلق بالاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية في حق تقرير المصير، والحرية، والعودة، وهنا يصبح الأمر بالغ الخطورة، لأنّ الثمن المطلوب لا يوازي التضحيات، وخصوصا أنه يمكن تفادي الثمن، بطرق أخرى".

إنّ جزءا أساسيا من خشية حماس تسليم الأمور في غزة لحكومة الوفاق، هو لسببين؛ الأول خشيتها التخلي عن الموارد المالية التي تدفع منها الرواتب والتكاليف لموظفيها وأفرادها، من دون قيام الحكومة باستيعاب هؤلاء، وإيجاد حل للموارد المطلوبة للجناح العسكري للحركة.

 والأمر الثاني وجود معارضة داخلية، ممن لا يريد ولا يقتنع بشراكة مع منظمة التحرير الفلسطينية، وحركة فتح. وهنا يجب عدم فهم هذا التشخيص أنه اتهام وهجوم على حركة حماس، بقدر ما هو تشخيص لفخ وقع فيه كل الفلسطينيين، ومن ضمنهم حركة حماس، بالمزج بين السلطة والدولة وواجباتها التقليدية ومرحلة المقاومة. فقد ورطت حماس نفسها، كما منظمة التحرير وفتح من قبلها، بازدواجية السلطة والسعي للتحرير والاستقلال، سواء عبر المقاومة أو المفاوضات. فأصبح التراجع عن العملية السياسية، والتنسيق الأمني صعبا من قبل السلطة، وأصبحت الأزمة الحياتية هي بوصلة تحرك حماس ومحركها السياسي.

وبحسب الدكتور عزم فان جزء كبير من المعضلة الراهنة، في غزة، أنّ حركة حماس تفكر بأسلوب وعقلية إدارة الأزمة، فالمطلوب داخلياً، مصالحة محدودة أولويتها حل الأزمة من دون استعداد حقيقي لتفكيك سلطتها في غزة، وتؤدي المعاناة الإنسانية الحقيقية لأهالي غزة يومياً لتأييد شرائح كبيرة من الفلسطينيين لهذا المنطق. في المقابل، باتت منظمة التحرير، ترفض فكرة الحديث عن الرزمة المتكاملة للشراكة في الإصلاح الفلسطيني قبل إنهاء الوضع القائم في غزة، بتسليم حماس حكومة الوفاق كل شيء "باستثناء سلاح المقاومة".

ويتوقع عزم أن حماس تدرك بل وتعترف أنه حتى لو لم تعارض منظمة التحرير توقيعها تهدئة، ولو وافق الجانب الإسرائيلي على التهدئة، فإنه من دون ربط ذلك بمجمل القضية الفلسطينية، فلا يوجد مكاسب للفلسطينيين، بل فقط الحدّ من النزيف الناتج منذ العام 2007. بل إنّ أهم إنجاز لدى حماس وهو قدرة الردع والمقاومة التي أوجدتها عبر كتائب القسام، ستدخل في أزمة كبرى، فحتى لو حلت مشكلة الموارد المالية المطلوبة لهذه الكتائب، فإنّ التهدئة تعني دخولها في حالة كمون وعدم مواجهة مع الاحتلال، ما يقلل شعبيتها ويؤدي إلى أن تبحث عن نفسها لدور سياسي في الداخل الفلسطيني، ما يزيد التوتر فلسطينياً وشعبياً.

ويؤكد عزم أن حماس  تحتاج للتفكير ببعد استراتيجي أكبر، أبعد من الأزمة الراهنة، والمصلحة الوطنية الفلسطينية تستدعي من الكل الفلسطيني، وفي مقدمته منظمة التحرير، تفهّم جزءٍ من مشاكل حماس ومساعدتها على حلها، ووضع تصور وطني مكتمل للقضية الفلسطينية.

يوما تلو الآخر تتكشف سحب الضباب ومعها تظهر نوايا حماس وأنها المستفيد الأول من مسيرات العودة ,وكذلك التهدئة في حال تم عقدها , كما  تنبئ بأنها  لا يمكن أن تكون  طرفاً بمعادلة استقرار غزة لاسيما مع التغير في توجهات واستراتيجيات الإدارة الأمريكية الجديدة والتي تعتقد في أن الإسلام السياسي بأطيافه لا يشكل حلا للمنطقة والإقليم , لذلك فإن  السياسة على طريقة الإسلاميين  قد تعجل من  دخول غزة  قسراً إلى مربع الانفصال.