وسام


آخر تحديث: September 13, 2018, 10:58 pm


أحوال البلاد

 

عندما أخذت ذوائب انعكاسات الضوء تفقد بريقها من ذرى الروابي الخضر تحولت الأشجار إلى أشباح ساكنة وخيم عليها السواد ،لا شيء هناك سوى هواء فاسد مملوء برائحة الدم وشواء الأجساد البشرية، في تلك اللحظة الغسقية نفذ مهمته التي كانت تعيش في عوالمه الوهمية ، حولها إلى حقيقة ثم مضى تاركاً خلفه أسنة النيران الملتهبة واعمدة الدخان الصاعدة التي غطت المستوطنة المجاورة إلى الثكنة العسكرية التي أحرقها ، جثث جنود مبعثرة على الأرض ودوي انفجارات ترعد في مخزن الذخيرة وأصوات صافرات الإنذار العاوية ، وهو يركض في ارض كانت أرضه، تحت سماء كانت سماءه، تطارده طائرة مروحية ذات مصابيح ضوئية ، ناقلة جنود مجنزرة تتحرك بسرعة فائقة باتجاه الطائرة التي تحوم حوله ، يصعد التل،التل الذي كان يوماً يلعب فوقه، يرى الجنود منتشرين في جميع المسالك والممرات ، مشاة وكلاب صيد تنبح من بعيد ، ينزل من التل مسرعاً ثم يتجه صوب الأسلاك الشائكة التي تسور المستوطنة ، ينبطح على الأرض ، يسبح على الأحجار والصخور ، ينفذ من بين الأسلاك الشائكة بصعوبة بالغة غير مكترث بالدماء التي تسيل من ركبتيه من جراء الزحف، ود أن يطأ رأسه على الأرض ليجمع أشتات قواه الهاربة أو أن يأخذ قسطاً من الراحة ليسترد فيه نفسه لكن الوقت عصيب فلم يسمح له بذلك ، أرادته، ترفع من شأنه، تقدح في روحه من اجل النهوض والنجاة ، تفلح في ذلك ، حيث ينهض من مكانه ويركض صوب أبنية المستوطنة التي اشتعلت فيها المصابيح الضوئية الكاشفة فجأة واضاءت المنطقة التي يتواجد فيها، صوبت نحوه أفواه البنادق والرشاشات من الشبابيك والمنافذ الموجودة في الأبنية ، دوي أطلا قات الأسلحة الخفيفة ووابل من الرصاص المتساقط أمامه وخلفه وهو يتدحرج كالعجلة لا يفكر في شيء، مات الخوف في أعماقه . ليس جديداً أن يكون هدفاً للرصاص ، غزت أجواء المستوطنة روائح البارود ، قفز كالطائر على شجرة الدفلى وحط على قلبها فاختفى عن الأنظار ، اسكت الرمي وانطلقت الجموع الهائجة تركض في الممرات والشوارع تبحث عنه وهو ينظر إليهم من بين الأغصان الوارفة ، يزدرد ريقه ثم يمسح وجهه من حبيبات العرق التي تسيل من جبينه ، خرجت امرأة زنجية من الشقة الأرضية في يدها مسدس تبحث عنه، لقد رأته من نافذة الشقة كان يتواجد هنا، تمرق مجموعة من الرجال والنساء بكامل أسلحتهم من قرب الشجرة ،الزنجية تجوس المكان تقترب من الشجرة،يكتم نفسه،يجمد في مكانه،يتصلب،وكأنه غصن من أغصان الشجرة،ينظر إلى قدها الممشوق والى جسدها المكتنز باللحم الأسود الملفوف بقماش أبيض شفاف،تستدير بجسدها تبتعد عن الشجرة قليلاً تبحث عنه تتساءل في سريرتها : أين اختفى هذا الشيطان ؟ربما انه ساحر عظيم! يقترب منها جندي أشقر ينظر إلى ردفيها، تجفل منه، تدور بجسدها نحوه يسلط عيناه الزرقاوان على جيدها، على صدرها نزولاً إلى ساقيها السوداوين الممتلئين، يقترب منها أكثر، يلامسها يأخذها في حضنه، يطوقها، تدفعه بأخمص المسدس، يلتقفه منها ثم يتركه يسقط تحت قدميه، يشدها بقوة إليه وهي تقاومه تصرخ به،تستغيث،تتأوه. 
-آه …أرجوك ليس هنا. 
يستمر في عناقها،يطرحها على الأرض وهي تصرخ،نفس الصراخ الذي كانت شقيقته تصرخه حينما اقتحموا بيتهم وقتلوا أبيه مزقوا جسده بالحراب،وبقروا بطن أمه الحامل، تدلى رأس الجنين إلى الأسفل يقطر الدماء، لم يقتحم تلك الزمرة المتوحشة بدافع الخوف الذي كان يسيطر عليه أنما لصغر سنه، اكتفى بالصراخ الروحي والنظر إليهم من وراء خزانة الملابس التي كان مختفياً وراءها بعد ما فرغوا من مراسيم طقوس جرائمهم خرجوا من البيت ،هو الآخر خرج من مخبأه يبحث عن شقيقته التي كانت تصرخ بعنف، وجدها على السرير عارية مضرجة بالدماء ،ما بكى لمقتل أبيه، ما بكى لبقر بطن أمه وموت شقيقه الجنين، إنما بكى بكاءً مراً لاغتصاب شقيقته ، خرج وراءهم يبحث عنهم فوجد المخيم جبل من رماد رسخت في ذهنه صورة الانتقام والجهاد الذي كتب عليه وآمن بأن لا حياة له إلا ان يجلي الأعداء من أرضه المغتصبة . أمتشق مديته وقفز من الشجرة ،هجم عليه فطعنه ثلاث طعنات أرداه قتيلاً . استفاقت من غفوتها ثم لملمت نفسها والتقطت مسدسها صوبته نحوه . التصق إلى الجدار وهو ينظر إليها بدهشةٍ قالت له بلغتها. 
-أيها الوغد قتلت اللحظة التي كنت أعيشها . 
لا يفهم ما تقول، تأمره أن يرفع يداه نحو الأعلى وهي تروح وتجيء من أمامه وتتحدث معه وتنظر له بوحشية، لو أحصى لحظات الرعب التي يعيشها الآن لفاقت جميع أيامه المرعبة التي احتسبت عليه قسراً، لقد اخطأ في جميع حساباته كان يظن أن تشكره على ما فعل إزاء ذلك المغتصب أو تساعده على الهرب ، انه أنقذها من عملية اغتصاب ،لم يجد تفسيراً مقنعاً للأقدار التي ترافقه أو إلى تلك القوى ألما ورائية التي تتحكم به من دون أن تعقل لأنها خالية من الأحاسيس والمشاعر . 
همس في ذات نفسه : 
-سحقاً للإنسان الذي يجعل من حياة الآخرين جحيماً . 
ضغطت على نابض الزناد ورصاصة في القلب وأخرى في الرأس، انهار شيئاً فشيئاً على الأرض وصراخ شقيقته يرن في أذنيه، انقطع الصراخ وانتهى الألم هرعت حشود من أبناء المستوطنة إلى المكان، تنظر إلى ذلك الكائن الذبيح الذي غرق في دمائه. 
اقترب منها كبير المستوطنة ووضع على صدرها وسام شرف لما قامت به من عمل بطولي .