قصص


آخر تحديث: September 13, 2018, 10:56 pm


أحوال البلاد

أمّية

* * *
نظر إلى الهاتف مطولاً، استغربت انهماكه بقراءة رسالة الكترونية. لاحت منّي نظرة إلى شاشة الهاتف، كانت الرسالة من فتاة تسأله عن رأيه في تحديد لقاء بعد يومين. سألته أين سيلقاها؟ أجاب: من؟ كان مستغربًا سؤالي وكان آخر ما كنت أتوقّع ألا يتمكن هذا الشاب الوسيم من قراءة رسالة وصلت إلى هاتفه الثمين. أردت أن أتأكّد، ناولته بطاقة تعريف بأحد الأصدقاء وطلبت منه قراءة الرقم لأنّني لا أحمل نظّارتي الطبية. عندها احمرّ وجهه خجلاً وقال بأنّه لا يعرف القراءة والكتابة علمًا بأنّه أنهى المرحلة الابتدائية. 

جنس
* * *
البيت مكوّن من غرفتين ومطبخ وصالة استقبال صغيرة، ينام في صالة الاستقبال الابن الأكبر في أشهر الشتاء والخريف الباردة، ويهرب إلى ساحة البيت في الأشهر الدافئة من السنة حيث الفضاء والمكان أكثر رحابة وحنوًا، بينما يحتل الغرفة التالية أخاه الصغير وأختاه. غرفة النوم الأخرى يحتلها والده ووالدته وأخته التي تبلغ من العمر تسع سنوات. أمّا الجدّة فقد كانت ترقد في المطبخ، مكانها المفضّل على أيّة حال. سرعان ما تغيب الشمس وينطفئ فانوسها وتبدأ ساعات الليل الطويلة الثقيلة بالنسبة للشباب الذين يحتاجون إلى أكثر من كوب حليب وحكاية للنوم، لكنّ الأب رجل البيت غير قادر على كبح جماح شهوته، وسرعان ما تشعر الفتاة الصغيرة بالحركة الحميمة ليس بعيدًا عنها. أدركت ما يحدث بعد أن فهمت لعبة الحياة لكن السؤال الذي بقي يؤرّقها ولم تجرؤ يومًا على طرحه على والدها يومًا: لماذا لا تنتظر حتى أنام يا والدي؟

عذرًا رمضان
* * *
يقولون بأنّ ليالي رمضان جميلة، لكنّي لم أكن أتوقّع بأن هذا يعني عمليًا إلغاء دور النهار في رمضان على مستوى كبير في البلاد. انتهت حفلة السحور الضخمة الشهية، تلا ذلك نرجيلة بالمعسّل وسجائر لا تحصى. قاربت الساعة السادسة صباحًا. كانوا قد توقفوا عن تناول الطعام والتدخين منذ حوالي الساعة. دخل الشبان إلى غرف النوم، أداروا المكيّفات والمراوح وأغلقوا كلّ المنافذ المؤدية إلى العالم الخارجي. ظننت بأنّ حفلة النوم قد تستمرّ حتى ساعات الظهر، لكنّي فوجئت برغبة الجميع بعدم إيقاظهم وتركهم ليستيقظوا وقتما يشاؤون. رأيتهم يفركون أعينهم حوالي الساعة السادسة والنصف قبل المغرب بقليل. ذهبوا الواحد تلو الآخر إلى الحمام ثمّ خرجوا يقطرون ماءً وصلّوا على استحياء العصر على أمل أن يقضوا الفروض الأخرى لاحقًا، وسرعان ما جلسوا لتناول طعام الإفطار بعد صيام استمرّ لمدّة ساعة واحدة. تلا ذلك النرجيلة والسجائر وهكذا دواليك طوال شهر يسمّى جدلاً برمضان. 

ثورات عربية
* * *
مرّة أخرى أراقب عبر قنوات التلفزة ما يحدث من سفك للدماء في سوريا من قبل نظام الحكم البعثي وقتال مرير في ليبيا ومحاكمة هزلية للرئيس المصري السابق حسني مبارك. أحاول أن أنفجر، أن أحطّم الذكرى المريرة في ذاتي بدلاً من الشاشة الفضّيّة أمامي. بالقرب منّي بعض الأهل ما يزالون يخططون لحفل زفاف مقرّر بعد أسبوع. الحياة مستمرّة بالطبع، والأعراس مخنلفة ومتنوعة، هناك عرس الدم وهنا عرس أحد الأقرباء الذين انتظروا هذه اللحظة منذ سنوات طويلة. بقي قريبي يعمل في المملكة العربية السعودية ما يزيد على عشر سنوات حتى يتمكن من إرضاء رغبات زوجة المستقبل بدءًا بأهلها جميعًا. لا تنسى الأزاهير والطبل ومزمارين، نعم والرصاص الحيّ جاهز ليطلق في الهواء وسيسمع صداه أطفال دمشق وحماه ودرعا ودير الزور. إنّه العرس العربي المتجدد "عريسنا زين الشباب – زين الشباب عريسنا.

صفقة
* * *
عشرون مليون دينار!
هذا ثمن قطعة الأرض الواحدة وهي كبيرة بالمناسبة. قلت معلّقًا "يمكنكم حلّ جميع مشاكلكم الاقتصادية دفعة واحدة. أجابت الفتاة مستثارة "لك منّي حلوان لا يقلّ على خمسة آلاف دينار! أجبتها على الفور "ما سرّ هذه الصفقة؟" قالت بأنّ أحدهم طلب شراء قطعة أرض كبيرة يملكونها. "أين؟" ترددت بعض الوقت وقالت "في القدس". عندها ضربتُ رأسي بكفّي وغاردت الجلسة. أدركت الجارة حرجي وغضبي وقالت "إذا لم نبعها ستصادر أحدٌ منها شيئًا، أنت تعرف بأنّنا مشرّدين لا نملك من أمرنا شيئًا. قلت لها دامعًا إلا القدس يا جارتي إلا القدس! 

عنوسة وإخصاب
* * *
المشهد نفسه لم يتغير منذ ربع قرن تقريبًا، جاري البدويّ في إحدى مناطق مدينة الزرقاء الأردنية رفض كافّة مظاهر وأوجه الحضارة الممكنة، وأبقى سور بيته من الصخور والحجارة الصغيرة الموضوعة على شكل سلسلة متراصة بطريقة غريبة مدهشة، وارتفع في حقل بيته أشجار الصنوبر السامقة. اقتنى في الحقل الوزّ والدجاج والديوك والبطّ ومن حولهم كوكبة من القطط البريّة تراقب عن كثب. كلّ هذا على بعد أمتار منّي. حين أقول جاري أقصد الابن الأصغر الذي أصبح رجلاً مسؤولا وتزوج من امرأة هدّها الحمل والوضع حيث بات في منزله قرابة عشرة أطفال لا يكبر الواحد عن الآخر سوى عام واحد. المشكلة تكمن في طريقة الحياة البدائية، حيث الصراخ والعويل المتواصل بدون مناسبة. على سبيل المثال طريقة النداء تكون بمدّ الحرف الأوسط من الاسم "يا حَمَـــــــــــدْ" بصوت مرتفع قادر على إسماع الموتى. أمّا أيام الأحد حيث تطلق بلدية الزرقاء المياه لتجري في صنابير مياه هذا الحيّ وتمنعها عن أحياء أخرى تبدأ معاناة من نوع آخر، حيث تعرّي الأمّ الأطفال الغاضبين دومًا ويبدأ حفل الاستحمام بالماء والصابون يتخللها صراخ متواصل من صغير السنّ الذي يكنّ للمياه عداوة غير مسبوقة وهكذا حتى الساعات المبّكرة من عصر نهار الأحد. لكن في أحد أركان المنزل الكبير هناك أربع نساء حُكِمَ عليهنّ بالعنوسة حتى الموت لأنّهن تجرأن على رفض الزواج من أبناء عمومتهن وكان قرار الرجال منعهن من الزواج نهائيًا. أحداهنّ عشقت شابًا، تجرّأ وتقدّم لطلب يدها، لكنّه صباح اليوم التالي وجد نفسه بين مجموعة من الرجال مسلّحين بالخناجر والمسدسات وخيّر بين الاختفاء نهائيًا عن الحيّ والابتعاد عن الفتاة أو الموت. هرب العريس، ثمّ أخذت الفتيات بالذبول كما الورد بعد اقتطافه. كلّ هذا أراه سنة بعد أخرى حين أقرّر العودة لزيارة أهلي في مديتة الزرقاء التي ترفل بكلّ متناقضات الدنيا، رغمًا عن القرن الحادي والعشرين ستبقى النساء العانسات يشاهدن بطن زوجة الأخ ينتفخ سنة بعد أخرى، ومهما تحسسن موضع البطن إلا أنّه سيبقى إلى أجل غير مسمّى فارغ.