«كل يوم إضافة».. شهادة جون كيرى حول السياسة الأمريكية وسنوات الاضطراب فى الشرق الأوسط


آخر تحديث: September 10, 2018, 3:35 pm


أحوال البلاد
بقلم: منال لطفي

لدى وزير الخارجية الأمريكى السابق جون كيرى الكثير ليكتب عنه. فقد خدم ما يقرب من ثلاثة عقود فى مجلس الشيوخ الأمريكي، وأربع سنوات كوزير للخارجية فى إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، كما خاض معركة رئاسية كمرشح للحزب الديمقراطى أمام جورج بوش الابن عام 2004، وخدم كضابط فى البحرية بالجيش الأمريكى خلال حرب فيتنام، قبل أن يتحول إلى ناشط مناوئ للحرب بشراسة.

وفى كتابه «كل يوم إضافة»، الذى صدر قبل أيام رسميا عن دار نشر «سايمون آند شوستر»، يعود كيرى إلى جذوره وحاضره، وعينه على مستقبل أمريكا فى عهد دونالد ترامب، قائلاً «إن أمتنا أقوى عندما يقف المواطنون ويقررون أن الأمور ليست كما ينبغى أن تكون عليه».

هناك «حنين» لا شك فيه يظهر فى الكتاب لحياة سياسية أمريكية كانت أفضل كثيراً مما هى عليه اليوم. فهو يتحدث عن تغييرات جوهرية «للأسوأ» فى المشهد السياسى الأمريكى من حيث الشخصيات والسياسات تجعل الماضى «يبدو أجمل»، عندما كان نواب الحزبين الكبيرين (الجمهورى والديمقراطى) فى الكونجرس ينحون الخلافات الحزبية جانباً من أجل مصالح وطنية أكبر من مصالح الحزبين.

ويشير كيري، بالكثير من الحزن والقلق، إلى أن هذا لم يعد متاحاً لليوم، حيث الاستقطاب الحزبى والسياسى والشخصى يغلب على كل شيء.

تبدأ فصول الكتاب بشكل شخصي، حيث يتذكر كيرى طفولته التى قضاها فى مدرسة داخلية سويسرية، والعطلات الصيفية فى جزيرة ناوون، قبالة كيب كود، وسنوات مراهقته فى مدرسة سانت بول، وهى مدرسة داخلية فى نيو إنجلاند بولاية نيو هامشير، من بين خريجيها أيضا روبرت مولر المحقق الخاص فى احتمالات تواطؤ حملة ترامب مع روسيا، ثم دراسته القانون فى جامعة ييل فى بوسطن وعلاقة صداقة قصيرة ربطته مع الرئيس الأمريكى جون كينيدى، وعمله كمدع عام فى مكتب محامى المقاطعة، وخدمته كنائب حاكم ولاية ماساتشوستس تحت قيادة مايكل دوكاكيس، قبل أن تبدأ رحلته فى الكونجرس الأمريكى.

على خط النار فى فيتنام

وعلى الرغم من الجذور العائلية المترفة لجون كيرى، فإنه وعلى عكس دونالد ترامب وبيل كلينتون وديك تشينى ودان كويل وجورج دبليو بوش، وضع نفسه على خط النار وقرر أن يخوض غمار حرب فيتنام.

وبتفاصيل حاضرة يتذكرها كيرى بدقة بالغة لأنه كتبها بناء على يوميات داوم على كتابتها خلال الفترة التى قضاها فى فيتنام، يتحدث كيرى عن صدمته إزاء الحرب،حيث عاد كيرى بخيبة أمل من خدمته فى الحرب وهو يتساءل «كيف حدث ذلك؟».

وبعد العودة بدأ يتحدث علانية ضد الحرب، ويعطى شهادات أمام الكونجرس. وأصبح ناشطاً معروفاً ضد الانخراط فى فيتنام. وكان عندما ينتقده أحدهم قائلاً له «ادعم القوات فى الحرب»، كان كيرى يرد: «نحن القوات».

وساعدته معارضته لحرب فيتنام على أن يتم انتخابه عضواً فى مجلس الشيوخ، لكن فى نهاية المطاف دمرت حملته للانتخابات الرئاسية 2004. فمعارضته العلنية الشرسة للحرب باتت ورقة ضده.

ففى الأسبوع الأخير قبل الانتخابات، أرسلت حملة بوش الابن رسالة من أربع صفحات للناخبين الأمريكيين تشكك فى صلابة كيري، وقدرته على قيادة البلاد بعد هجمات 11 سبتمبر والحرب فى العراق وأفغانستان. وأضعف موقفه كذلك أن الكثير من الذين شاركوا فى حرب فيتنام أخذوا أيضاً موقفا مناوئا له.

لكن كيرى شخصياً يعزو هزيمته إلى دعم حملة بوش الابن لسياسات اجتماعية محافظة عززت حظوظ المرشح الجمهورى فى ولايات الجنوب المحافظة دينياً واجتماعياً. كما يحمل كيرى أيضا جون إدواردز، الذى كان مرشحاً كنائب له، جانبا من المسئولية «حيث لم يظهر قدرة على الإخلاص لأى شيء سوى طموحه السياسى الشخصى».

علاقة عاصفة مع نيتانياهو

وفى الكتاب، يصف كيرى علاقته المعقدة مع رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نيتانياهو خلال السنوات الأربع التى قضاها كوزير للخارجية فى إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.

ويكتب كيرى عن سلوك نيتانياهو خلال حرب 2014 مع حماس فى غزة، «كانت واحدة من المرات القليلة التى شاهدت فيها بنيامين نيتانياهو مهزوماً للغاية، وليس فى حالته وطاقته الطبيعية. لم أر رئيس الحكومة فى إسرائيل تحت الحصار بهذا الشكل، لقد لمسنى الأمر... فقد رأيت نيتانياهو فى تلك اللحظة أكثر ضعفاً مما رأيته من قبل».

ويكشف كيرى أن مسودة وقف إطلاق النار مع حماس - التى انتقدها نيتانياهو والحكومة الإسرائيلية بشدة وعكرت العلاقات بين واشنطن وإسرائيل وجلبت انتقادات لاذعة لكيرى نفسه، سربها نيتانياهو شخصياً لوسائل الإعلام بعدما قدم بعض مقترحاتها بنفسه لوزير الخارجية الأمريكي.

ويتذكر كيرى محادثة غاضبة بينه وبين نيتانياهو حول تسريب مقترح «الهدنة الإنسانية»، موضحاً أنه قال له: «كنا فى منتصف المفاوضات على أساس أطروحاتك. الآن أرى التسريبات فى الصحافة. هذا أمر مشين. وقف إطلاق النار الإنسانى هو فكرتك. والآن تسرب هذه الوثيقة لتجعلنى أظهر وكأننى أحاول تعزيز موقف حماس».

ويخلص كيرى إلى أن «عنصر الثقة الشخصية ضاع» بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلى بعد هذه النقطة.

الكل يكذب فى الشرق الأوسط

وحول عملية السلام بين 2013 و2014 مع الفلسطينيين، يتحدث كيرى عن «استعداد نيتانياهو المعلن لتقديم تنازلات قاسية» لصنع السلام، وحتى المخاطرة بائتلافه الحكومي. ويوضح أن تلك التأكيدات ساعدت على إقناع الرئيس أوباما «المتشكك» فى نيات نيتانياهو، بأن عملية السلام تستحق الاستئناف.

ويتذكر كيرى محادثة أجراها مع نيتانياهو عقب خطاب ألقاه أوباما فى إسرائيل عام 2013،ويقول «التقيت مع نيتانياهو فى فندق الملك داوود ونظر فى عينى وقال: «جون أنا مستعد لخوض هذه المحاولة (استئناف مفاوضات السلام) لكن هناك شيئين ينبغى عليك معرفتهما: أولاً، كل شخص فى هذه المنطقة يكذب فى كل الأوقات. ثانياً، قد يكون أقل ما يمكننى القيام به أقل من أقل ما يمكن أن يقبله (الرئيس الفلسطيني) محمود عباس».

كما يذكّر كيرى بمحادثات مع زعيمة المعارضة آنذاك، تسيبى ليفني، التى أكدت أنه «من المحتم على إسرائيل التوصل إلى سلام طويل الأمد» مع الفلسطينيين.

ويتحدث كيرى عن تردد نيتانياهو فى عام 2013 لإطلاق سراح السجناء الفلسطينيين والإسرائيليين من عرب 48 المحتجزين منذ ما قبل اتفاقيات أوسلو عام 1993، وهو مطلب قدمه الفلسطينيون للمضى قدماً فى المفاوضات.

ويقول كيرى: «لقد أخبرت نيتانياهو بعبارات لا لبس فيها إذا لم تكن على استعداد لإطلاق سراحهم، أفهم ذلك، لكن المفاوضات لن تنجح. فرد نيتانياهو: حسناً، دعنى أرى ما يمكننى فعله».

كما يشير كيرى إلى أن نيتانياهو رفض خطة أمنية إقليمية أعدها الجنرال الأمريكى جون ألين والتى كانت ستلزم بسحب تدريجى للقوات الإسرائيلية من الضفة الغربية. وتنص الخطة على أن تقوم القوات الأمريكية بحراسة حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية، مع استعداد القوات الإسرائيلية لاستئناف السيطرة الأمنية على الضفة الغربية «بكامل قوتها فى غضون ساعات».

لكن بعد اللقاء بين كيرى والمسئولين فى إسرائيل، رفض نيتانياهو الخطة وأصر على أن إسرائيل بحاجة إلى الحفاظ على وجود عسكرى طويل الأمد فى الضفة الغربية.

ويتذكر كيرى قائلاً: «لقد كان واضحاً لنا جميعاً أن نيتانياهو لم يكن مهتماً بمعالجة المسائل الأمنية فعلياً بطريقة يمكن أن تسمح بانسحاب الجيش الإسرائيلى فى نهاية المطاف....وقد خلصت إلى أن هذا لم يكن يتعلق بالأمن. أخبرته بأنى اعتقد أنه يخلق عقبة لا يمكن التغلب عليها إذا لم يكن يستطيع قبول أفضل نصيحة لأحد العقول العسكرية الأكثر ذكاءً لحليفته أمريكا (فى إشارة إلى الجنرال آلين).. ابتسم نيتانياهو وقال دعنا نعيد جدولة المناقشة». كما يسرد كيرى أن إدارة أوباما فكرت فى إطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلى جوناثان بولارد فى عام 2014 فى محاولة لإنقاذ عملية السلام المتعثرة. ويشير إلى أن أوباما «لم يعتقد أن نيتانياهو سيسمح فى أى وقت بإنشاء دولة فلسطينية، لكنه كان راغباً فى تقديم تلك الإيماءة نحو إسرائيل»، كمبادرة لدعم عملية السلام.

كما حث كيرى رئيس الوزراء الإسرائيلى على تقديم عرض يمكن أن يسمح بمواصلة المحادثات، موضحاً أن أوباما سوف يرد بإطلاق سراح بولارد فى المقابل، ويقول «قلت لنيتانياهو أنت لا تفعل ذلك من أجل عباس. أنت تفعل ذلك لتمكيننا من الحصول على ما تريد».

وفى نهاية المطاف كان قرار الرئيس الفلسطينى محمود عباس انضمام فلسطين إلى العديد من المنظمات الدولية مثل اليونسكو بمثابة الصخرة التى تحطمت عليها المفاوضات. ويقول كيرى إن الخطوة أعطت نيتانياهو «ذريعة» لإلقاء اللوم على الفلسطينيين فى فشل المفاوضات.

وفى الأيام الأخيرة لإدارة أوباما توترت العلاقات مع إسرائيل على نحو غير مسبوق بعد أن قررت الإدارة عدم استخدام حق النقض (الفيتو) ضد القرار رقم 2334 الذى يدين المستوطنات الإسرائيلية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة.

وكانت هذه هى المرة الأولى التى تعطى فيها إدارة أمريكية المباركة والضوء الأخضر لقرار لمجلس الأمن يدين المستوطنات منذ عام 1979.

ردت الحكومة الإسرائيلية بشراسة، وسحبت السفراء من الدول التى صوتت لصالح القرار واتهم نيتانياهو إدارة أوباما «بصياغة القرار سراً مع الفلسطينيين».

غلاف الكتاب

ويوضح كيري: »لقد فهمنا جميعاً العاصفة السياسية التى سنواجهها إذا لم نستخدم حق النقض ضد القرار... كان هناك بعض الذين جادلوا باستخدام الفيتو لوقف القرار لأنه لا يستحق الثمن السياسي» (احتقان العلاقات الأمريكية -الإسرائيلية). لكن كيرى يشير إلى أن أوباما لم يكن راغباً فى استخدام حق النقض لوقف القرار لأنه يعتقد أن بناء المستوطنات واستمرار الصراع مفتوحاً يتعارض مع المصالح الأمريكية فى المنطقة. ويسرد كيرى أن قرار إسرائيل تمرير مشروع قانون يسمح للدولة بتقنين البؤر الاستيطانية فى الضفة الغربية وإعلان دونالد ترامب، الرئيس المنتخب آنذاك، أنه سيعيّن ديفيد فريدمان كسفير لإسرائيل قد أثرا أيضاً على قرار أوباما عدم استخدام حق النقض.

ويوضح كيرى «لقد أعلن الرئيس المنتخب ترامب أنه سيعين سفيرا فى إسرائيل من المؤيدين الأساسيين للمستوطنات ومن المعارضين لحل الدولتين. وفى الوقت نفسه، أظهر الإسرائيليون أنفسهم امتعاضا تاما حيال سياستنا من خلال الشروع فى عملية تشريع رسمى للبؤر الاستيطانية... لم يمكن بمقدورنا الدفاع عن تصرفات إسرائيل فى الأمم المتحدة... كان هناك تسارع كبير وغير مسبوق فى مشروع الاستيطان». ويشير كيرى إلى أنه كان يعرف أنه سيفقد أصدقاء يهودا بسبب القرار، لكنه يعتقد أن القرار «كان هو الخطوة الصحيحة».

سوريا الجرح المفتوح

فى مجمل قضايا السياسة الخارجية، يقول كيرى إنه كان مقتنعا بقرارات أوباما، لكن فى الملف السورى تظهر خلافات بين الرجلين. وفى كتابه يوضح كيرى أنه لم يتمكن مثلاً من إقناع أوباما بالتحرك رداً على تقارير استخدام الحكومة السورية أسلحة كيماوية فى صيف عام 2013. ويشير إلى أن الولايات المتحدة «دفعت ثمنا» فى نهاية المطاف للتقاعس عن التحرك بعد تعدى الخط الأحمر الذى وضعته الإدارة الأمريكية نفسها، فى إشارة إلى تحذير أوباما فى أغسطس عام 2012 بأن استخدام الأسلحة الكيماوية سيؤدى إلى رد عسكرى من الولايات المتحدة. ويوضح كيري:«طرحت عدة أفكار على الطاولة. لم يقتنع الرئيس بحجتي. اعتقدت أنه كان لدينا عدة خيارات كنا نستطيع القيام بها فى ظل مخاطر منخفضة للغاية» لإرسال رسالة للحكومة السورية أن هناك ثمنا لاستخدام أسلحة كيماوية خلال الحرب, وقد استعد أوباما لضربات صاروخية فى سوريا قبل أن يغير رأيه. فقد طلب موافقة الكونجرس على الهجوم، لكنه لم ينله, وبالتالى لم تلتزم الإدارة بالخط الأحمر الذى أعلنته. ويوضح كيرى فى كتابه «لقد فوجئت بقرار الرئيس... ظننت أننا سنمضى قدما (فى الضربة العسكرية).

كنت أتوقع أن تأتينى مكالمة هاتفية تخبرنى بقرار الهجوم لكن لم يحدث ذلك... وقد بذلت قصارى جهدى فى الذهاب إلى الكونجرس وجادلت فى القضية»، بدون طائل ما أبقى سوريا «الجرح المفتوح» الذى تركته الإدارة.

ويتجنب كيرى القول صراحة أن سياسة أوباما الخارجية خاصة فى الشرق الأوسط كانت تتضمن عنصر «رفض المجازفة»، لكنه يوضح أن أوباما «كان له موقف ورأى تجاه سوريا» يتعارض مع النصائح التى قدمها كيرى وآخرون له فى الإدارة.

لكن كيرى يشعر بأنه أنجز شيئا وهو التخلص من مخزون الأسلحة الكيماوية السوري. ويوضح:«لم أتوقف عن المحاولة لتحقيق الاستقرار فى سوريا حتى عندما كانت الأمور صعبة، وحتى عندما بدت قاتمة. لا أندم على طرح الفكرة (التخلص من الأسلحة الكيماوية) على الطاولة وأعتقد أنها كانت نتيجة رائعة بمعنى أننا حصلنا على جميع الأسلحة المعلنة من هناك»، مشيراً إلى اتفاق توسطت فيه روسيا فى 2013 لإزالة الأسلحة الكيماوية السورية وتجنب ضربة أمريكية.

رسالة بشار الأسد السرية إلى أوباما

ويكشف كيرى أنه قبل اندلاع الصراع فى سوريا، وفى عام 2010، بعث الرئيس السورى بشار الأسد برسالة سرية إلى باراك أوباما يقترح فيها استئناف محادثات السلام مع إسرائيل لاستعادة مرتفعات الجولان السورية التى ضمتها إسرائيل خلال حرب الأيام الستة عام 1967.

ويوضح كيرى فى الكتاب «سألنى الأسد ما الذى يتطلبه الدخول فى مفاوضات سلام جدية» أملاً فى ضمان عودة مرتفعات الجولان.

ويواصل: «قلت له أنه إذا كان جاداً فعليه تقديم اقتراح خاص. سأل الأسد عن جوهره وتبادلنا بعض الأفكار. ثم أصدر الأسد تعليمات لمساعده البارز بصياغة رسالة منه إلى الرئيس أوباما.»

وفى الرسالة، دعا الأسد أوباما إلى دعم محادثات السلام مع إسرائيل، مشيرا إلى «استعداد سوريا لاتخاذ عدد من الخطوات مقابل إعادة الجولان من إسرائيل».

وبعد لقاء الأسد بوقت قصير، زار كيرى إسرائيل وأطلع نيتانياهو على الرسالة الذى «كان مندهشاً من أن الأسد كان على استعداد للذهاب إلى هذا الحد، أكثر بكثير مما كان يرغب فى الذهاب إليه سابقاً».

لكن نيتانياهو أخبر إدارة أوباما أنه غير قادر على عقد اتفاقية مع سوريا فى ضوء الظروف الراهنة. وفى نهاية المطاف وحسب كيري، أخفق الأسد فى النهاية فى الوفاء بوعوده، حيث حاولت إدارة أوباما اختبار مدى جديته من خلال مطالبة الرئيس السورى باتخاذ «إجراءات لبناء الثقة» تجاه كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، بما فى ذلك وقف إمدادات الأسلحة إلى حزب الله.

إيران ودبلوماسية الظل

بالنسبة إلى كيرى فإن الاتفاق النووى الإيرانى واتفاقية باريس للمناخ هما من الانجازات الأساسية له ولإدارة أوباما.

ويصف كيرى ساعات طويلة من المفاوضات الدقيقة والمفصلة من دون نوم والتوترات التى ظهرت بشكل دورى خلال المحادثات التى دامت نحو العامين، خاصة التوترات بين إيران وروسيا. ويتذكر أن سيرجى لافروف، وزير الخارجية الروسي، وفى واحدة من تلك المواجهات نظر إلى نظيره الإيرانى محمد جواد ظريف بسبب تردده فى إنهاء الصفقة قائلاً له: «جواد، هل تملك السلطة للتوصل إلى اتفاق؟ إذا كان الأمر كذلك فالرجاء إخبارنا. أنت تضيع وقتنا».

وفى نهاية المطاف تم التوصل للصفقة النووية رغم الضغوط الهائلة من حكومة نيتانياهو وهى ضغوط عززت الفجوة بين إدارة أوباما وإسرائيل ووصلت إلى نقطة اللاعودة مع خطاب نيتانياهو أمام الكونجرس الأمريكى الذى اعتبرته إدارة أوباما «ضربة تحت الحزام». ويوضح كيرى أن قرار نيتانياهو المثير للجدل بالتحدث أمام الكونجرس عام 2015 ضد رغبات البيت الأبيض، ومعارضته الحادة للاتفاق النووى الإيرانى أصابه بخيبة أمل كبيرة «ظننت أننا نستحق أفضل من ذلك».

واشتبك كيرى والرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى الأشهر الأخيرة مراراً على خلفية الملف الإيرانى وذلك بعدما اتهم الرئيس الأمريكى كيرى بالانخراط فى «دبلوماسية ظل» غير قانونية لإنقاذ الاتفاق النووى مع إيران، وذلك فى إشارة إلى الاتصالات الهاتفية التى أجراها كيرى مؤخراً مع عدد من وزراء الخارجية الدوليين أملاً فى انقاذ الاتفاق النووى رغم انسحاب أمريكا منه.

ترامب وتحويل الأصدقاء إلى خصوم

اختار كيري، مثل معظم أعضاء إدارة أوباما السابقين الذين سجلوا تجربتهم فى كتب، التركيز على سنوات عمله وتجربته الشخصية، بدلاً من انتقاد إدارة ترامب أو الرد عليها بشكل مباشر. ولكن بالنظر إلى التناقضات الصارخة فى الشخصيات والسياسات، وبالنظر إلى مقدار الإصرار الذى أظهره ترامب لتفكيك كل شيء عمل كيرى وأوباما من أجله، لا يمكنك إلا أن تجد بين سطور الكتاب إشارات ضمنية إلى ترامب وإدارته فى كل صفحة.

لقد نجح كيرى فى التوصل إلى الاتفاق النووى مع إيران واتفاقية باريس للمناخ بعد محادثات ماراثونية طويلة وصعبة فقط ليرى ترامب يمزق كليهما فى الأيام الأولى لإدارته. وبرغم أن الكتاب لا يتحدث عن ترامب بشكل مباشر، إلا أنه ملئ بالانتقادات الضمنية التى تأتى فى سياق تجربة كيرى السياسية، خاصة عندما يتحدث عن المسئولية الأخلاقية فى السياسة.

فلا يمكنك قراءة تجربة كيرى حول عمل النواب الجمهوريين والديمقراطيين فى الكونجرس لحل مشكلة معقدة دون التفكير فى مدى استحالة هذه المهمة فى الكونجرس حالياً تحت إدارة ترامب. كما لا يمكنك قراءة تفاصيل الساعات الأخيرة من المفاوضات النووية الإيرانية أواتفاق باريس للمناخ دون التفكير فى أن إدارة ترامب قامت منذ ذلك الحين بتفكيك الاتفاقات الدولية بشكل منهجي.

ويصف كيرى ترامب بأنه «يحول خصومنا إلى أصدقاءنا، ويحول أصدقائنا إلى خصوم»,.

كما يحكم كيرى على ترامب من خلال الدائرة الضيقة التى تحيط بالرئيس الأمريكي. ففى أثناء التحقيق فى انتهاكات حقوق الإنسان التى ارتكبها الرئيس الفلبينى الأسبق فيرديناند ماركوس فى الفلبين فى الثمانينيات من القرن الماضي، يتذكر كيري، وكان عضوا فى مجلس الشيوخ الأمريكى آنذاك، التصادم مع بول مانافورت (أحد أعضاء حملة ترامب البارزين والذى يحاكم حالياً بتهم فساد) لأنه كان من أعضاء جماعات الضغط التى كانت تدافع عن نظام ماركوس «بينما يأخذون رواتبهم الممتازة من الأموال المسروقة» من الشعب الفلبيني.

فى سيرته الذاتية، لدى كيرى الكثير ليكون فخوراً به، لكن سيرته لا تخلو من الندم. وفى الكتاب يوضح بصراحة ندمه على اختيار جون إدواردز ليكون نائباً له فى الانتخابات الرئاسية 2004.

كما يشعر بالندم لعدم قدرته على إقناع أوباما باتخاذ إجراءات أكثر حزما ضد بشار الأسد لاستخدامه للأسلحة الكيميائية فى سوريا. كما أنه يأسف لتصويته فى عام 2002 على دعم غزو العراق، وهى الحرب التى رآها لاحقاً خطأ فادحا. لكن كيرى لا يفقد الأمل فى التعلم من تجارب الماضى ويقول فى كتابه: «حاولت جاهداً محاربة القوة الذهنية للحنين. المذكرات هى مكان مغر للنظر إلى الوراء بنظرة وردية ومن السهل دائماً الاعتقاد بأن الأمور كانت أفضل فى الماضي...لكن التاريخ - التاريخ الحقيقي، وليس الديماجوجية الزائفة عن الماضى الأسطوري- يلهمنا لأنه يذكرنا بأن الماضى لم يكن دائماً سهلاً.

هذه ليست إهانة لأمريكا. هذا تأكيد على أمريكا. أمريكا التى تجعل نفسها أقوى رغم الصعاب الطويلة والنكسات القاسية. الحكمة الواضحة التى تعلمتها فى رحلتى هى أنه يمكنك تغيير بلدك ويمكنك تغيير العالم... التاريخ تراكمي. يمكننا جميعاً المساهمة فى التغيير إذا كنا راغبين فى الدخول فى مسابقة من أجل المستقبل».

 

عن جريدة "الأهرام"