علي مفترقات غزة أحلام بددتها عربات المشروبات الساخنة والباردة


آخر تحديث: September 9, 2018, 5:35 pm


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير محمد عابد

يشهد ميدان النجمة في مدينة رفح جنوب قطاع غزة انتشاراً كبيراً لعربات صغيرة يقف عليها شبان يبيعون المشروبات الساخنة والباردة المتنوعة, اللافت أنّ معظم الشبان هم من خريجي الجامعات ,الذين لم يحصلوا على أيّ فرصة عمل، مقابل عدد قليل منهم عمل مسبقاً بعقود بطالة مؤقتة مدة أشهر قليلة.

فقد وجد أولئك الشبان في مشروع عربات المشروبات عملاً يعود عليهم بدخل بدلاً من البقاء ضمن صفوف البطالة, وبالرغم من أنّ كثيرين من بينهم استبعدوا فكرة هذا العمل بعد التخرج إلا أنّ ظروفهم أجبرتهم على العمل في منتصف الشارع من دون الشعور بأي إحراج.

هذا المشروع بحسب أولئك الشبان لا يحتاج إلي رأس مال كبير , فكل عربة من تلك العربات تكلفتها أقل من 500 شيكل , وهذا مبلغ قليل يمكن لأي شاب الحصول عليه حتى لو كان عن طريق الاستدانة, أما الأرباح فتسد حاجتهم وفي بعض الأحيان حاجة أسرهم.

من علي أهم مفترق في مدينة رفح والذي يعد المدخل الأساسي لتلك المدينة ، يقف الشاب حازم عرام , وهو أحد خريجي جامعة الأقصى , ذلك الشاب الذي تبدو علي وجهه كل معالم التعب والشقاء , يقف أمام بسطة لبيع المشروبات الساخنة " الشاي والقهوة والنسكافية " , يقول لأحوال البلد :" لقد أنهيت دراستي الجامعية من جامعة الأقصى , ولأني لا انتمي إلي الفصيل الذي يحكم القطاع , لم أتمكن من الحصول علي وظيفة , ولم يحالفني الحظ في الحصول على بطالة أو عقد , علي الرغم من اجتيازي امتحان مزاولة المهنة, ولم أرغب البقاء عالة علي والدي الذي بالكاد يوفر مصروف أخواتي الصغار , حينها قررت افتتاح مشروع صغير يتمثل بهذه البسطة الصغيرة، ،واتخذت ميدان النجمة ركناً للعمل بسبب تحول الميدان إلي ما يشبه المنتزه , واكتظاظه بالناس ,وكانت تلك العربة بمثابة المشروع الأول والأخير لحازم ؛ علي أمل بأن تفي بسد حاجته هو وعائلته, فأنا يوميا أكبس ما يقرب أل 15 إلى 20 شيكل , وهذه لا تكفي لشئ , ولكن الحمد لله فهي تغني عن سؤال الناس فقط "

ويتابع حازم :"حتى العمل أما تلك البسطة، لم يفي بحاجتي كوني شاب وأحتاج للمزيد من المصاريف، فأنا الابن الأكبر بالعائلة، وضعوا كل طموحهم على منذ انتهاء دراستي الجامعية , علي أمل أن توفر الشهادة الجامعية لي مصدراً وظيفياً ومكانة اجتماعية عالية مستقبلاً، لكن الحياة الصعبة بغزة حالت دون ذلك".

عادل عقل شاب يبلغ من العمر 28 سنة , تخرج من جامعة الأزهر تخصص تكنولوجيا المعلومات , يبدأ حديثه لأحوال البلد ببيت شعر للشاعر أبو فراس الحمداني : " بلادي وإنْ جارت عليّ عزيزة / وأهلي وإنْ ضنّــــوا عليّ كرامُ "و يقول :" لقد استدنت مبلغ 600 شيكل , وقمت بتصميم عربة خشبية , وقمت بالاتفاق مع صاحب احد محلات بيع المرطبات علي أن يقوم بتزويدي بالمرطبات والمشروبات الباردة , وأنا أقوم ببيعها , وفي نهاية كل أسبوع نتحاسب علي الربح ونتقاسم ما تجنيه العربة "

يضيف عادل لأحوال البلد :"أنا لست ابن حماس أو فتح للأسف كي أحصل على فرصة عمل, العربة هي حياتي وأصبحت مستقبلي, هنا أشاهد كلّ طبقات المجتمع وأتعرف على أحوال الناس في الأسواق، حتى إنّني أشاركهم همومهم، لأنّ من يطلب مشروباً لا يكتفي بأخذه والانصراف، بل يقف كثيرون منهم عند العربة ويتحدثون إليّ".

وأردف عادل :"أن ما يدفع الشباب للعمل على تلك العربات أنّها غير ملاحقة بالضرائب، نظراً لكونها متنقلة ولا تستقر في مكان، وفي بعض المرات تتساهل شرطة البلدية معهم وتطلب منهم الوقوف في أماكن بعيدة عن المفترقات المزدحمة، "

و يشير عقل:" إلى أنّ البسطات التي تنتشر في الأسواق والشوارع تتعرض في كثير من المرات لملاحقة شرطة البلدية لها لأنّها تؤثر سلباً على السير، على عكس عربات المشروبات، بل إنّ بعض عناصر الشرطة تأتي لشراء المشروبات منهم".

ورغم مشقة ظروف العمل وقضاء جل ساعات يومه خارج بيته، إلا أن الشاب عقل يشعر بالمتعة كونه استطاع توفير سبل الحياة الكريمة لعائلته ، وبات يُضرب به المثل في أرجاء المخيم لقدرته على إيجاد عمل له وإن كان محدود الدخل.

تحت أشعة الشمس الحارقة، في أجواء الطقس الصعبة، يتنقل البائع أبو حسين من مكان لآخر متجولا في مدينة رفح , يخوض معركة الحياة والبقاء، يقول أبو حسين: "أغادر منزلي بعد صلاة الفجر، وأحياناً أتجول في الشوارع حتى صلاة المغرب، يتلاشى صوتي من النداء، ورغم ذلك، الأيام التي أخسر فيها أكثر بكثير من التي أجني فيها ربحا", ويضيف "لا يوجد مجالات عمل أخرى في غزة، تعبت من البحث، وحاصرتني الديون، وأتأمل تحسن الحال وإيجاد فرصة عمل أفضل , فأنا منذ خمسة أعوام ,أبيع الكعك بين شوارع وأزقة مدينة رفح , وأصبحت من خلال هذه المهنة أحد أعلام مدينة رفح , منذ صلاة الفجر أتجه إلي أحد المخابز , وأشتري ب 70 شيكل كعك , وأبدأ في التجول من مكان إلي أخر وأنادي بأعلى صوتي , ليعرف الناس موعد قدومي في المنطقة , ويقوموا بشراء الكعك , وعلى موعد صلاة المغرب أكون قد أنهيت الكعك كله , وأعود إلي المنزل بعد ما يزيد على 15 ساعة عمل متواصل , وكل ما أحصل عليه لا يتجاوز أل 20 شيكل , و أنا أعيل أسرة كبيرة لها التزاماتها واحتياجاتها , ولكن ما باليد حيلة "

ويختم أبو حسين حديثه برسالة يوجهها للمسئولين مطالبا بضرورة توفير فرص عمل للشباب ومعيلي الأسر الكبيرة , أو توفير عقود بطالة شبه مؤقتة , ليتسن لهم العيش حياة كريمة .

هذا وتعتبر البطالة من أكبر المشكلات الاقتصادية، التي يعاني منها قطاع غزة أخيراً، حيث يبلغ عدد الخريجين سنوياً من الجامعات ما يقارب 35 ألف طالب وطالبة، في ظل عد المقدرة الاستيعابية لغزة في المجالات الخاصة والحكومية.

أمام هذا الوضع المادي الصعب يري الجميع أنه من الضروري إتمام المصالحة وتقديم المصلحة الوطنية على سواها، بما يحقق وحدة النظام السياسي وتفعيل مؤسساته وتوحيد الأنظمة والقوانين والإجراءات بين شقي الوطن، بما يضمن حماية وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان، ومكافحة الفساد والواسطة والمحسوبية، ولاسيما عند التوظيف، وتفعيل مبدأ الكفاءة وتكافؤ الفرص، والعمل على إنشاء جهاز حكومي يعنى بالبطالة، خاصة في صفوف الخريجين و الخريجات، وإنشاء صندوق خاص بهم، وتوفر له الموارد المالية اللازمة، لدعم ورعاية المشاريع الصغيرة وتشجيع الأفكار الريادية، بالإضافة إلى إنهاء مشكلات الخريجين والخريجات الذين لم يتسلموا شهاداتهم بسبب تراكم الديون المتأخرة، ومعالجة قضايا التخصصات والمؤسسات الأكاديمية غير المعترف بها.