كونفدرالية عباس وسياسة الإفلاس !


آخر تحديث: September 6, 2018, 10:47 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

وكأن "القيادة" الفلسطينية تفاجأت من اقتراح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب, حل الصراع الفلسطيني/الأسرائيلي عبر الكونفدرالية مع الأردن, وهي أوضح صيغة للحل الإقليمي, كما أنها تبدو كمن يتفاجأ أيضا من المحاولة الأمريكية/الإسرائيلية, تمرير صفقة القرن على بوابة قطاع غزة, المثخن بجراح الانقسام والمثقل بهموم الحصار الجاثمة على صدره وكتفيه منذ أكثر من أحد عشر عاما . 
وكأن, تبدو لنا علامة استفسار لكنها تنطوي على كل التعجب المثير للريبة, حيث ينطبق هنا المثل الشعبي الذي يقول, إن كنت تدري فتلك مصيبة, وان كنت لا تدري فالمصيبة أعظم, ومن تابع كل ما كتبه وقال به المحللون السياسيون والمتابعون للشأن الفلسطيني, ومنذ سنوات وليس منذ أشهر أو أسابيع أو أيام, سيلاحظ دون شك, أنهم قد حذروا, مرارا وتكرارا, من الحل الإقليمي مع انسداد أفق الحل الوطني, خاصة بعد أن توقف التفاوض في نيسان/أبريل من العام 2014, أي قبل أربع سنوات بالتمام والكمال . 
ويفترض في "القيادة" المحترفة للسياسة أن تدرك دهاليز السياسة وآفاقها, ولا يفترض في المحللين والمتابعين للشأن العام أن يعرفوا أكثر مما تعرف هي, وإلا فلن تكون جديرة بموقعها ومنصبها ولا بنسبة واحد بالمائة, لكن على ما يبدو بأنها, أي "قيادة" الشعب الفلسطيني العتيدة, تدرك مآل الأمور وتغلق عينيها مثل النعام, أو أنها تعرف ما ستئول أليه ولا تهتم, أو أنها تريد هذه النتيجة حقا مع سبق الإصرار والترصد . 
وفي أحسن أحوالها تعتقد بان إستراتيجية الكفاح عبر القنوات الدولية, مع إهمال الكفاح الوطني بشقيه الشعبي والفصائلي, يمكن أن يؤدي إلى نتيجة أقلها وقف الانهيار والتآكل في المشروع الوطني برمته, وإلا لكانت قد "قدمت" ما تراه تنازلا ولا نراه كذلك في ملف إنهاء الانقسام, وراهنت على "تمكين" الحكومة بكفاحها الداخلي وعبر إنفاذ القانون العام والصراع الديمقراطي الداخلي, وليس عبر الاشتراطات التعجيزية المتتابعة . 
ومن الطبيعي أن تحصد إسرائيل نتائج عشر سنوات من وجود "قيادتي الانقسام" في هذه الأيام, حيث بدأت النتائج بالظهور تباعا, ويبدو أن الوقت قد حان لتحقيق النتائج المرجوة إسرائيليا, فيبدأ الهجوم السياسي والميداني, لتحقيق الهدف الحاسم بإلحاق الهزيمة بالمشروع الوطني الفلسطيني وإغلاق الأبواب تماما على هدف إقامة الدولة المستقلة, والذهاب إلى الحل الإقليمي .
وقد اخطأ وما زال يخطيء كل من يظن بأن التهديد بالصواريخ أو الأنفاق, والخطب النارية في الأمم المتحدة, يمكن أن يضع حدا للاحتلال مع وجود الانقسام ومع وقف الكفاح الوطني الشعبي والفصائلي بكل أدواته ومفاعليه المتعددة . 
ويخطيء أيضا من يظن بان إسرائيل من مصلحتها "اغتيال" أو إسقاط قيادتي الانقسام هنا وهناك, قبل تحقيق الهدف الحاسم, والذهاب لترتيبات ما بعد طي صفحة المشروع الوطني بعنوانه الرئيسي, الدولة المستقلة . 
لقد حققت سلطة الحكم الذاتي, ورسخت كل ركائز الحكم الذاتي, لا أكثر ولا أقل, فقد منحت فلسطين منتخب كرة قدم, يشارك في البطولات القارية والدولية, ومنحت الفلسطينيين وثيقة سفر, ليست جواز سفر دولة جمعت بين وثيقة السفر اللاجئين الفلسطينيين و" اللاسية باسية", ومكانة لفلسطين مثل مكانة الفاتيكان بالأمم المتحدة, وهذا أقصى ما يمكن لإسرائيل أن تقبل به, وفق مسار "الكفاح السياسي" منذ ربع قرن .
يمكن القول أذا بأن السلطة التي نجمت عن أوسلو قد رسخت وعززت قواعد الحكم الذاتي للسكان, ولمزيد من "الفضفة" في الحل, تفكر إسرائيل بالعودة لسياسة الجسور المفتوحة, فتكون الضفة الغربية مثل "اندورا" مدارة بين دولتين, واحدة تطبق قوانينها على الأرض, أي إسرائيل, والثانية تطبقها على السكان, أي الأردن, وإن لم يكن كذلك, فتقاسم الأرض بين الجارتين اللتين بينهما أولا اتفاقية سلام, وادي عربة, وثانيا, اللتين كان من نتيجة الحرب بينهما عام 1967, احتلال تلك الأرض, ومن ثم نشأ "النزاع الحدودي" بينهما, بنتيجة الحرب . 
أما لماذا يتذكر مقترح الكونفدرالية رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس, هذه الأيام بالتحديد, ولم يذكره في حينه, فمن المرجح أن تكون لذلك حكاية أخرى . 
منها أن يتم زج الأردن في أتون الصراع الدائر بينه وبين واشنطن منذ إعلان ترامب عن قراره الخاص بالقدس, وبعد أن فشل عباس في رد الهجوم السياسي الأمريكي والميداني الأسرائيلي, وبعد كل تلك العزلة السياسية التي وجدت نفسها فيها السلطة الفلسطينية, وهذا يفسر الغضب الرسمي الأردني, الذي جاء على لسان الناطق باسم الحكومة الأردنية, مضافا إليه رد فعل بعض البرلمانيين الأردنيين, وكأن عباس يريد أن "يثير" الداخل الأردني, في وجه واشنطن, خاصة بعد عودة العلاقات الدبلوماسية بين عمان وتل أبيب مؤخرا . 
يتواصل إذا بؤس السياسة الرسمية الفلسطينية وإفلاسها, ولا يقف عند حدود, ويستمر في "قيادة" الحالة الوطنية إلى الهاوية, وحين يصر على أن تسبق المصالحة أي اتفاق للتهدئة في غزة, فقد يكون محقا, ولكن شرط أن يسعى بكل قوته من اجل إنهاء ملف الانقسام, وليس عبر الاستمرار في رهن الملف باشتراطاته التعجيزية .
لم يبق _للأسف_ بين إسرائيل وتحقيق مآربها بإنجاز مهمة نكسة العام 67, إلا القليل, وهذا يمكنها أن تحققه بكل ثقة في عهد ترامب, الذي ما زال في بداية ولايته, وليس هناك إلا من حدث جلل, يزلزل الأرض الفلسطينية كما حدث عام 1987, لوقف كل هذا الانهيار, وأجراس الثورة يجب أن تقرع الآن الآن وليس غدا, وليس في وجه إسرائيل وحسب, ولكن من اجل كنس أدوات العجز الذاتي الداخلي, وفي مقدمتها السلطة بكل مكوناتها الحالية .