تجهيل الفلسطينيين


آخر تحديث: September 6, 2018, 12:09 pm


أحوال البلاد
بقلم: د. محمد الرميحي

من بين الأخبار المزعجة التى تحيط بنا نحن العرب، رغم الدمار والقتل والحروب الأهلية والبينية المشتعلة، برز أخيرا خبر أكثر إزعاجا، وله تأثيره السلبى على المستقبل العربي، وتداعيات كارثية محتملة على مستقبل هذا الإقليم، ومستقبل السلم أو الحرب فيه، والخبر هو إعلان الولايات المتحدة وقف دفع حصتها فى تمويل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) التى كانت تدفعها طوال الفترة السابقة.

تصدت دول عربية بشكل أو بآخر لهذا الخبر، وما يحيطه من علاقة معقدة، فقامت مصر بتكثيف جهودها للمصالحة بين الفرقاء الفلسطينيين المتشاجرين، وهى جهود بذلت منذ فترة، الأغرب فيها أن الكل، وأقصد العقلاء من العرب ومن المتفهمين لقضاياهم، يرون أن وحدة الفلسطينيين هى أهم ركيزة لحفظ حقوقهم التاريخية المشروعة، إلا أن بعض الفرقاء الفلسطينيين، لسبب أو لآخر، يرون أن الفرقة سبيل للغلبة على هذا الجناح أو ذاك من الرفاق، ومع ذلك مازال بعض العرب، ومنهم مصر، يحاولون فى جهود معلنة وخفية بناء جسور بين الجزر الفلسطينية المتباعدة، كما قامت الدبلوماسية الأردنية بنشاط، سوف يتبلور فى الاجتماع المقبل هذا الشهر على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة فى الشهر الحالى فى نيويورك، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من رسالة الوكالة، ماليا وسياسيا، ودعوة المجتمع الدولى للقيام بمسئولياته.

هذه الوكالة التى أصبح عمرها ما يقارب السبعين عاما (أنشئت فى ديسمبر 1947) قدمت للأجيال من الشعب الفلسطينى التعليم المعقول والتطبيب! صديق يملك مجموعة من المدارس الخاصة فى إحدى دول الخليج قال لى مرة، أنه اعتمد اعتمادا كاملا فى نشاطه التعليمى على مدرسين فلسطينيين من خريجى مدارس وكالة الغوث، والرجل كان يؤكد الكفاءة العالية لخريجى تلك المدارس، فى إشاعة سمعة الجودة لمؤسساته، سواء كانوا خريجين من مدارس الوكالة فى الأردن أو سوريا أو لبنان أو فى الأرض المحتلة من فلسطين.

اليوم الجيل الثالث من أبناء اللاجئين يتعلمون ويُطببون فى مؤسسات هذه الهيئة الدولية، وحرمانهم من ذلك يعنى تلقائيا أن يصبح جيلا أو أكثر من الفلسطينيين جهلة، عديمى التأهيل، وهذا يمهد الأرض أن يُختطفوا جماعات وأفرادا من قبل القوى المتشددة فى المنطقة و يتخصبوا بالأفكار الراديكالية، ذلك سوف يجلب على المنطقة ككل ويلات من أشكال العنف غير المسبوق، أو تدفق للهجرة إلى أوروبا.

لذلك فان القرار المتخذ من الإدارة الأمريكية قرار يفوق سلبا أى قرار اتخذ حتى الآن، ومن الأوفق إعلاء الصوت، ليس الشعبى فقط، ولكن الدبلوماسى العربي، وإن أمكن الدولي، من أجل تأكيد أن ذلك القرار خاطئ، وليس ضد مصلحة العرب فقط، ويهيئ إلى الأسوأ، ولكن ضد مسيرة السلام العالمي. التبريرات فى تسويق القرار غير مقنعه، فالإدارة الأمريكية ترى أن لاحاجة لهذه المؤسسة.

إن اختفاء تلك المؤسسة، يعنى بالضرورة اختفاء تعبير أو قضية اللاجئين الفلسطينيين وهى مقاربة ساذجة. السيد محمود عباس يعلن أن القرار اتخذ لتأديب منظمة التحرير، لانها لا توافق على مقترحات قدمتها الإدارة الأمريكية تجاه حل القضية الفلسطينية، ربما الأطراف المختلفة لها مبررات مختلفة فى تفسير تلك الخطوة السلبية، إلا أنها من منظور مستقبلى سوف تحرم قطاعا واسعا من الفلسطينيين من حق التعليم، وتأهيلهم بعد ذلك إلى مسالك معيشية تحفظ لهم كرامتهم الإنسانية.

انسحاب الولايات المتحدة من التمويل هو عمل سياسى قصير النظر, قد يأتى فى النهاية مضادا حتى لمصالح الولايات المتحدة نفسها، من هنا فإن حملة واسعة دبلوماسية وشعبية مطلوبة فى دول العالم لبيان الأضرار المحتملة لمثل هذه الخطوة، وحث الفصائل الفلسطينية المتناحرة على أن موجة من الضغوط قادمة باتجاههم من أجل تصفية القضية على غير ما يرجون أو يتوقعون، وأن الفرقة فى هذه المرحلة التاريخية الصعبة، يعنى ضياع الحقوق، وخير طريق للبقاء هو التوجه إلى مصالحة وطنية حقيقية، ولقد تعب العالم السياسى العربى كما العالم الدبلوماسى العربي، من رفع الصوت وحث الفرقاء على إيجاد لحمة وطنية فلسطينية تدرأ بعض الأخطار المقبلة، بدلا من هذا العراك العبثى وتمهد لمسار فلسطينى مستغل، بعيدا عن التجاذبات السياسية والمحاور الإقليمية والتحزبات الأيديولوجية التى انهكت الجمهور الأوسع من أبناء النكبة، وعرضتهم للكثير من المعاناة طوال هذه السنين.

 

عن جريدة "الأهرام"