الطب أصبح تجارة عند بعض الأطباء


آخر تحديث: September 5, 2018, 11:51 pm


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير محمد عابد

لا أحد ينكر أن القطاع الصحي في قطاع غزة قد عاني, من التدمير والتهميش حتى وصل الأمر إلى المتاجرة بأمراض الفقراء والبسطاء من سكان القطاع المحاصر , وذلك من خلال تدمير القطاع الصحي وإعادته إلى تحت الصفر، حيث تكالب عليه كل من له مصلحة,لقد تحولت مهنة الطب إلى تجارة، ضاعت الأهداف التي وجدت من اجلها وتحولت إلى تجارة خاضعة للعرض والطلب، وأصبح بعض الأطباء كأصحاب العقارات وليس أصحاب عيادات تتصف بسمة الإنسانية.

لا يخفى على أحد أن مهنة الطب هي من أقدس المهن لأنها تقوم أساساً على الإنسانية هذا ما تعلمناه وألفناه ولكن السؤال ترى هل ما زالت هذه المهنة تقوم على الإنسانية والرأفة والرحمة ؟أم أن الأمر تغير وأصبحت أقرب إلى التجارة  منها إلى الطب.

الطب مهنة لها شرفها وتقاليدها ولا يليق أن يدخلها الطمع والرغبة في الإثراء بتشجيع الأفراد على إجراء عمليات جراحية لا يحتاجونها أو صور أشعة لا فائدة منها , أو تحاليل لا تسمن ولا تغني,لقد تحول الطب إلى تجارة رائجة ومربحة، ونحمد الله أننا في زمن المادة لا زلنا نرى ونسمع عن قامات عالية من الأطباء على درجة عالية من المهنية والإنسانية.

وائل يتحدث لأحول البلد عن معاناته والأطباء ويقول :"لاحظت أن ابني يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة وانتفاخ في عينيه فقمت بأخذه إلى أحد المستشفيات الحكومية جنوب القطاع, ولكنه لم يجد طبيب متخصص بالطب الباطني في قسم الأطفال,وبعد طول انتظار قام أحد الممرضين بتوجيهنا إلى العيادة الخاصة لأحد أطباء الباطنة,وعندما وصلنا العيادة وقبل أن نتفوه بكلمة بادرتني الممرضة بطلب دفع الكشفية وبعد أن دخلنا إلى الطبيب لوصف حالة الطفل, وبمجرد المشاهدة قال لنا بأن هذا المرض ليس من اختصاصه لأنه يشك أن هناك مرضاً آخر يعاني الطفل منه, وقام بتحويلنا إلى طبيب أخر بهذا الاختصاص ولم تعاد إليه الكشفية".

ويتابع وائل :"أمام مرض ابني , وخوفي الشديد عليه لم أجد حلاً إلا الذهاب إلى الطبيب الأخر, وبعد عدة دقائق لا أكثر ولا أقل طلب منا العديد من التحاليل التي لها علاقة والتي ليس لها علاقة وتكرم الطبيب علينا وأوصانا بالذهاب إلى المختبر الفلاني فهو الأكثر فهماً وأخلاقاً".‏

ويضيف وائل:" أنه وبعد قرابة أسبوعين ما بين الطبيبة والمختبر ,والكشفيات والمختبرات , أقر الطبيب بضرورة إجراء عملية جراحية , ونصحنا بضرورة إجراء العملية في العيادة الخاصة , وان العملية لو تقدمنا لإجرائها في المستشفي الحكومي سيصلنا الدور بعد عدة أشهر , وان العملية لو تأخرنا في إجرائها سيكون وضع الطفل حرج جدا ,ووسط هذه التحذيرات قررت الموافقة علي إجراء العملية في العيادة الخاصة والتي كلفتنا المبلغ الفلاني".

ويختم وائل حديثه :"شاءت الأقدار أن الطفل لم يتحسن , فحدثت صديقي عن حالته , ونصحني بالذهاب إلى طبيب أطفال أخر يعالج أبنائه عنده , وأخبرنا الطبيب بكل تلك التشخيصات غير صحيحة واقتصر العلاج على دواء ولم يمر أسبوع واحد حتى عاد الطفل بصحة جيدة وأفضل والحمد لله"

بالمقابل نري أن هناك طبيب في منتصف العقد السادس من عمره , وقد مر علي مزاولته مهنة الطب قرابة ال 40 عام , لا زال مصرا حتى يومنا هذا علي تحديد سعر الكشف الثابت , مبلغ زهيد للغاية , وممكن أن يسامح المريض الذي يعيش ظروفا مالية صعبة ويقوم بعلاجه بالمجان , وحين يري المريض لا يستطيع علي شراء العلاج الذي يحتاجه يقوم بإرساله إلي أحد الصيدليات التي يتعامل معها بشكل مباشر لتصرف له العلاج بشكل شبه مجاني , شتان بين الطبيب الأول والطبيب الثاني , الطبيب الأول وضع مخافة الله بين عينيه , مع حالة تأتي إليه فانه يعيد القسم الذي أقسمه من جديد , وطبيب في الطرف الأخر يتعامل مع هذه المهنة السامية كأنها تجارة لا بهمه منها سوي الربح , حتى لو كان هذا الربح من خلال معاناة وألام الناس , وهذا الطبيب لا فرق بينه وبين اللص الذي يسرق رغيفك .

لقد أصبح رائجا لدي الجميع أن مهنة الطب أصبحت عبارة عن سلسلة مترابطة الأعضاء من الأطباء, هدفهم الكسب والاتجار بالمرضى ,من خلال توجيههم إلى مختبرات ومراكز أشعة وعيادات خاصة تربطهم جميعا علاقات مالية فيما بينهم حتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك وأن هناك نسباً تؤخذ على المريض.

المريض قليل الحيلة بات يشعر أن هناك شراكة بين الطبيب والصيدلي والمختبر والأشعة,الطبيب يطلب من المريض تجهيزه بالتحاليل وصور الأشعة بأنواعها قبل الفحص ألسريري ثم يقرأ النتائج بلمح البصر و يكتب الروشيته بمجموعة أدوية متنوعة.

هذا الابتزاز الفظيع للمريض يكشفه إرسال المريض إلى مختبر معين و مختبر أشعة معين و صيدلي معين لتقاسم الأجور , هذا الابتزاز من قبل من اقسم بالقسم الطبي الذي يشير إلى رعاية المريض حتى لو كان مفلسا لان الإنسانية قبل المال.

لقد أصبح هناك فقدان ثقة بين المواطن والمستشفيات الحكومية, لدرجة أن بعض المرضي يتحملون عناء مرضهم ولا يذهبون إلي المستشفي الحكومي , بل ويوفروا من قوتهم اليومي ليذهبوا إلي العيادات الخاصة بالرغم من ارتفاع أجور الكشفيات لبعض الأطباء في تلك العيادات الخاصة , مع العلم إن الكثير من الأطباء الذين لديهم عيادات خاصة هم يعملون في المستشفيات الحكومية,ولكن إن العاملين في المستشفيات الحكومية سواء كانوا إدارة أو طاقماً تمريضياً أو أطباء فان اغلبهم لا يتعاملون معاملة إنسانية مع المريض, كإعطاء وصفات طبية صحيحة وطلب التحاليل السليمة ولكنهم يطالبوهم بالتوجه إلى عياداتهم الخاصة .

مع احترامنا الكبير لمهنة الطب إلا أن بعض المنتسبين لها مع الأسف لا يتصرفون بما تمليه عليهم هذه المهنة السامية من أخلاقيات، وربما يكون ذلك أوضح مع بعض من يعمل منهم في العيادات الخاصة حيث تشعر أنك تتعامل مع تجار يهمهم الربح بالدرجة الأولى.

كلنا يدرك طبيعة الضغوط والمتاعب التي يعيشها من يعمل في المجال الطبي ولكن ذلك لا يبرر ما يواجهه بعضنا في تلك العيادات من تعجل في عملية الكشف وعدم الاستماع الكافي إلى شكوى المريض وأوجاعه وكأن لسان حال الطبيب يقول للمريض: خلصني فش معي وقت ، الناس بالعيادة بتستني، ويعقب ذلك عادة إحالة عاجلة إلى إجراء فحوص وتحاليل حتى ولو لم يكن الوضع يتطلب، وعندما يزوره المريض في المرة التالية فإنه بالكاد يتذكره فيضطر المريض أن يعيد له قصته.

من المؤسف أن ينحو الطب في بعض المستشفيات والمراكز منحىً تجارياً لا يأخذ اعتباراً لمصلحة المريض. والكارثة الحقيقية إذا كان هذا هو حالنا في أقدس المهن فيا ترى كيف سيكون حالنا في المجالات الأخرى؟