عنصرية فكرة الدولة اليهودية؟


آخر تحديث: August 10, 2018, 5:32 am


أحوال البلاد
بقلم: واسيني الأعرج

كل دولة تُبنى على أساس عرقي أو ديني هي في المحصلة دولة عنصرية، لأنها في خياراتها الضيقة ستضطر إلى رفض كل العناصر التي لا تستجيب للضوابط التي تكون قد وضعتها. من هنا فهي نفي للمواطنة التي تعني المساواة في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الأصول.

يهودية دولة إسرائيل لا تخرج عن هذا السياق أبدًا، ولا تحتاج إلى إثباتات للنوايا الظاهرية والباطنية، والقصد من ورائها وضع الفلسطيني في دائرة الأجنبي الغريب في أرضه، ليسهل بعدئذ طرده، حتى حقه في التمثيل السياسي سيسحب منه لأنه سيخضع لقانون الأجانب.

وتراهن المؤسسة السياسية الإسرائيلية العنصرية على أن الفلسطيني سيقبل، على الأمد المتوسط والطويل، بالحالة التي تُفرض عليه اليوم، كما قبل مختلف التقسيمات المتتالية التي أُجبر على قبولها بالحيلة السياسية. حتى إن تهويد القدس كليًا بعد تطويقها بالمستوطنات التي أكلت القدس الشرقية ومحت ملامح حدودها، ليس إلا فصلًا من هذه الفصول التي تفرض على الأرض. هناك استراتيجية تم الاشتغال عليها عبر عقود من الزمن حتى انتهت إلى قرار ترامب، الذي جسد شيئًا فرض بالقوة على الأرض، على الرغم من المقاومة المستميتة للشعب الفلسطيني.

فكرة الدولة الوطنية اليهودية هي استمرار في تنفيذ المشروع العنصري والتسريع بإخلاء فلسطين من كل ما هو فلسطيني. لا أعتقد أن شيئًا شبيهًا بهذا وجد في التاريخ من دون تلك النهايات التراجيدية. يذكرنا هذا بما حدث في الأندلس بعد سياسة الريكونكيستا (Reconquista) أو حروب الاسترجاع، عندما قرر الملوك الإسبان الكاثوليك إيزابيل وفرديناند، ولاحقًا الطاغية فيليب الثالث الذي طرد كل أندلسي حتى ولو كان مسيحيًا، وبدأت محاكم التفتيش تتبع آثار اليهود والمسلمين في أندلس انغلقت على نفسها دينيًا.

النقاء الديني لا يبتعد كثيرًا عن النقاء العرقي النازي، فرعان لجذر واحد. كيف يمكن لشعب كان ضحية لهذه العنصرية واللاسامية يعيد إنتاج الأشكال الإقصائية والعنصرية نفسها؟ فبهذا القانون البغيض، يهودية الدولة، يصبح كل من ليس يهوديًا، خاصة الفلسطينيين، خارج مفهوم المواطنة ما دامت هذه الأخيرة تنبني على عنصر الدين. وسيجبر هذا المواطن أو الربع مواطن، بموجب ذلك، إلى المغادرة. الأخطر أن أبناءه وأحفاده سيظلون كائنات ضائعة، بلا مكان ولا وضع اعتباري، تمامًا مثل قانون الانديجينا (الأهلية) الاستعماري الذي حول ملايين الجزائريين إلى أهالي بلا تاريخ ولا مستقر، لا أرض لهم وكأنهم نزلوا من المريخ. حالة من العمى الشبيه يمارسها الليكود اليوم، ويبررها جيش من المثقفين المجندين لهذا الغرض، متناقضين مع قناعاتهم الإنسانية. تلك ازدواجية غير مسبوقة؛ إذ كيف يمكن لمثقف ديمقراطي ناصر حركات التحرر العالمية وحارب باستماتة الأبارتايد والتفرقة لعنصرية أن يقبل بعنصرية شبيهة، وربما بأسوأ منها؟ لا أحد من هذا الجيش من المثقفين يذكر قضية الاحتلال التي تأسست عليها كل ردود الفعل اللاحقة، لأننا إذا حيدنا عنصر الاحتلال، سيصبح الفلسطيني عدوانيًا وظالمًا وإرهابيًا. حتى يهود فلسطين الأصليين الذين عاشوا مع العرب زمنًا طويلاً قبل أن يتم استبدال الوطنية الفلسطينية التي ضمت اليهودي والمسيحي والمسلم، وتحويل اليهودية دينًا وهوية وقومية ضيقة، تم سحقهم واستُبدل بهم يهود الهجرة، حيث هيمن الأشكناز الأوروبيون على كل آليات السلطة ومقاليد الحكم، والتسيير، مع احتقار معلن أو مبطن لليهود السيفاراد الآتين من إسبانيا والبرتغال وبقايا الأندلس، والبلدان المغاربية. بينما يهود الفلاشا لا تكفي يهوديتهم ليتساووا مع الآخرين أمام عنصرية مؤسسة الليكود الفاضحة. وبهذا تكون دولة الاحتلال، إسرائيل، قد دخلت في دوامة معقدة لن تخرج منها سالمة على مستوى الوحدة الدينية التي يتغنى بها سلاطين التطرف.

إن هذا القانون هو انتهاء مرحلة وبداية مرحلة جديدة أقصت عمليًا العرب والفلسطينيين وكذلك الدروز الأكثر وفاء للمؤسسة العسكرية الذين يخدمونها منذ تأسيس الـ «تْساهال»، وبهذا تكون إسرائيل قد حددت نفسها بنيويًا كدولة عنصرية مثلما ذكر ذلك بيان الرسالة المفتوحة لـ 180 مثقفًا وفنانًا إسرائيليًا الذين تجمعوا لإدانة هذا القانون الأساسي الذي أصبح له قوة دستورية سمح بالتفرقة والعنصرية والدينية، وألغى اللغة العربية كلغة رسمية، وأبقى على العبرية وحدها. نزع كلمة «الديمقراطية والمساواة» التي كثيرًا ما تغنى بها النظام اليميني. عشرون في المئة من المكون العربي للمجتمع الإسرائيلي وجدوا أنفسهم مقصيين، أو مواطنين من الدرجة الثانية. قرابة المليونين سيمسهم هذا القانون العنصري الذي يؤكد على اعتبار «تنامي المستوطنات اليهودية مسألة إيجابية تصبّ في المصلحة الوطنية العليا، وعلى الدولة اتخاذ التدابير الضرورية لتشجيعها وتطويرها». وهذا في الحقيقة لا يُشرْعِن الاحتلال فحسب، ولكن نهب الأراضي الفلسطينية وخيراتها الباطنية. حتى الدروز الذين ظلوا أوفياء لدولة الاحتلال وجيشها، أقصاهم هذا القانون كليًا، ولم يمنحهم أي خاصية. أكثر من ثمانين في المئة من الشباب الدرزي يخدمون في الجيش الإسرائيلي، وعددهم حوالي (130) ألف عنصر. وكردة فعل على هذا القانون، فقد استقال ضباط درزيون كثيرون من المؤسسة العسكرية. وكم يبدو اليوم كلام ألبير إنشتاين قبل 1948 صحيحًا وبعيد المدى: «أفضِّل كثيرًا اتفاقًا عقلانيًا مع العرب، على قاعدة العيش المشترك، على خلق دولة يهودية.. أخشى من الشروخ التي تخلفها هذه الممارسة على الديانة اليهودية، مع تنامي وطنية ضيقة في صفوفنا».

 

عن جريدة "القدس العربي" اللندنية