معرض دمشق للكتاب يسترجع أنفاسه... وحركة النشر إلى تراجع


آخر تحديث: August 9, 2018, 3:56 am


أحوال البلاد

 

غابت أصوات القذائف والقصف عن العاصمة السورية في أيام الدورة الثلاثين من معرض دمشق الدولي للكتاب، والذي استأنف دورة هذا العام تحت شعار «مجتمع يقرأ- مجتمع يبني» (مكتبة الأسد الوطنية- يستمر حتى 11 الجاري). وهي إشارة أطلقها اتحاد الناشرين السوريين بالتعاون مع وزارة الثقافة السورية عبر هذا المعرض الذي كان قد افتتح دورته الأولى عام 1985، متصدراً آنذاك المركز الثالث في حركة النشر العربي بعد بيروت والقاهرة.


يأتي المعرض اليوم في ظل صعوبات كثيرة تعترض نشاط الناشر السوري، لا سيما مقاطعة العديد من المعارض العربية لدور النشر السورية، إلا في حالة مشاركتها عبر وكالات دور نشر لبنانية، إضافةً إلى العديد من العناوين التي لم يتم إيداعها بشكل قانوني، حيث تشهد حركة النشر تراجعاً على هذا المستوى بعد أن كانت قد حققت ما قبل الحرب تسجيل ما يقارب 2484 مرجعاً، بينما تناقص عدد دور النشر السورية من 397 داراً مرخّصة من وزارة الإعلام ما قبل عام 2011، لتصل هذه النسبة إلى أقل من النصف هذا العام بمشاركة 120 دار نشر سورية إلى جانب 80 دار نشر من لبنان والعراق وإيران والمغرب وروسيا والدنمارك ومصر.

وتحضر في هذه الدورة من معرض دمشق كتلة دور النشر الإسلامية؛ جنباً إلى جنب مع دور النشر المحسوبة على التيار العلماني، وعلى رأسها كل من الهيئة السورية للكتاب و «ورد» و «كنعان» و «التكوين» و «دلمون الجديدة» و «نينوى» و «ممدوح عدوان» و «بيسان» و «الطليعة الجديدة»... فيما تشهد عناوين هذه الدور تراجع حركة الترجمة التي تميزت بها حركة النشر السورية، والتي كانت نافست عبرها دور نشر عربية ودولية ذات طابع رأسمالي، وذلك نظراً لانخفاض تكاليف الترجمة والطباعة في البلاد ما قبل اندلاع الأحداث الدامية، حيث وصلت عدد المُترجمات ما قبل آذار 2011 إلى نحو مئتي كتاباً مترجماً سنوياً، إلا أنها ومع سنوات الأزمة الثمانية الفائتة تعرّضت حركة الكتب المترجمة لانحسارٍ حاد، نتيجة انخفاض نسبة أجور المترجمين، وارتفاع تكاليف الطباعة وأسعار الورق، مما حدا بالعديد من المترجمين إلى التعاقد مع دور نشر عربية، كان لها حضورها الخجول في دورة هذا العام، لا سيما في ظل القانون الذي يمنع المشاركة بعناوين صادرة ما قبل عام 2008، وما تعرضت له العديد من العناوين التي منعتها اللجنة المنظمة العليا للمعرض.


ويحتفي «عرس الكتاب» لهذا العام بأبي نصر محمد الفارابي كشخصية للمعرض في ندوة يلقيها وزير الأوقاف عبد الستار السيد عن أبرز أفكاره وسيرة حياته، إضافةً لعرض بعض من مخطوطاته النادرة؛ فيما يزخر البرنامج الثقافي بأمسيات شعرية وورش عمل وندوات عن الكتاب والنشر الإلكتروني، ومستقبل النشر في ظل وسائل التواصل الاجتماعي، إضافةً إلى أكثر من ستين حفل توقيع في أجنحة المعرض المئة والخمسين قدمت قرابة مئتي ألف عنوان، وتوزعت في أرجاء حديقة المكتبة التي تتوسط ساحة الأمويين في قلب دمشق، وقد رافق ذلك تواقيع كتب لعدد من المحللين والكتّاب السياسيين، من مثل اللبنانيين سامي كليب وناصر قنديل والسوري محمد فوزي الشعيبي.

وخصص المعرض برنامجاً موازياً للعروض السينمائية في قاعة المكتبة، بلغت عشرة أفلام من أحدث إنتاجات المؤسسة العامة للسينما، كان أبرزها «ماورد» لأحمد إبراهيم الأحمد، و «رد القضاء» لنجدت إنزور، و «رجل وثلاثة أيام» لجود سعيد، و «الأب» لباسل الخطيب، و «ليليت السورية» لغسان شميط و «حرائق» لمحمد عبدالعزيز.

ويشهد المعرض عودة دور نشر عربية كبرى إلى ردهاته كان أهمها دار المدى التي كان قد أسسها الناشر العراقي فخري كريم في دمشق عام 1994 قبل أن ينقل مقرها إلى أربيل مع تصاعد النار السورية، إضافةً إلى حضور دور «الساقي» و «الآداب» و «هاشيت أنطوان- نوفل» و «الدار العربية للعلوم- ناشرون» و «الانتشار العربي» و «النهضة».

المعرض الذي يشهد إقبالاً مضطرداً في ظل حالة معاشية متردية تعيشها البلاد، يبدو اليوم محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد تدهور حال عشرات دور النشر المحترفة، واندثار العديد منها، لا سيما في مدينتي حلب واللاذقية، وطغيان سوق الكتب المُقرصنة التي تتهدد جهود وحقوق عشرات العاملين في دور النشر المحلية من محررين ومراجعين ومخرجين ومحققين ومترجمين ومدققين لغويين ومصممي أغلفة.

جائحة لم يتم السيطرة عليها في سوق مضاربات صناعة الكتاب التي تديرها مكتبات معروفة في العاصمة السورية، خلاك عن تغيب سلسلة المراحل الاحترافية في النشر والطباعة والتوزيع، لتقتصر ديمومة دور النشر المتبقية في البلاد على ما يُسمح لها من مشاركات خارجية تغطي النفقات الباهظة لإنتاج الكتاب، خصوصاً مع غياب دور فاعل لاتحاد الناشرين السوريين، وتراجع حاد في عدد القراء، والافتقار لقانون واضح ينظم مسائل حماية الملكية الفكرية، إضافةً إلى غلاء سعر الكتاب نسبةً لدخل المواطن السوري الذي يقدر بمتوسط 85 دولاراً شهرياً.