صياد


آخر تحديث: August 8, 2018, 4:36 pm


أحوال البلاد

 ابتسمت ، وسألت مخبري : متأكد ؟!
_ مثلما أراك .
أخذ أوقية الشاي ، وذاب في ظلمة الليل الشتوي الذي يدثر الزقاق الذي ينهض دكاني الصغير المتواضع على هامشه . سبحان الله ! محمد أبو ماهر يصيد الطيور ببندقية ! ماذا حدث لقلب الشاعر فيه ؟ ! يتغذى بالعصافير بعد أن كان يتغنى بها ! صحيح أنه توقف عن قول الشعر منذ سنين ، ولكن كيف ماتت رقته ؟ ! من أين وافته هذه القسوة الجديدة ؟ ! رحمته للطيور شهيرة وحكاياتها كثيرة ، أوقعته مرات في مشكلات مع الناس ، وبعثتهم على السخرية منه . رأى في خريف غلاما يصيد اللوامي في كرم تين ، فنهاه عن صيدها ، ومما نصحه به : خل أمك تذبح لك
واحدة من دجاجها الكثير ! 
ولما كان الغلام لا يشك في قيمة نصح الكبار فقد نزع فخه من التراب ، وعاد إلى البيت . وفي أوبة محمد لقيه 
والد الغلام زوبعة تقدح حنقا وهياجا ، وانقض على عنقه صارخا : تمنع ولي من الصيد ؟ ! أنت يا بن سارق الدجاج ! أبوك كان يسرق دجاج العرب في الليل الأظلم . إذا كنت لا تعرف هذا أنا أعرفه . كل الناس يعرفونه .
اسأل أي واحد ! لم يبقَ إلا هذه . تمنعون أولاد الناس من الصيد ! 
فما الذي قلب أبا ماهر هذا القلب الكامل ؟ ! لم يصد الطيور في صباه ويصيدها الآن في اكتهاله ! لم ألقه من 
شهور . آخر مرة لقيته فيها كانت لتعزيته في أخيه الوحيد الذي يصغره . قتل في جريمة مبهمة حفظتها سجلات 
الشرطة ضد مجهول . وفي خروجه معي لتوديعي سألته : ماذا قلت في رثاء المرحوم ؟ قال بعد صمت وتأمل :
أحمد لا يرثى بالشعر . لا علاقة لي بالشعر . 
في جوار سكناه وادٍ يأتث على جانبيه الشجر : أثل وبوص وبعض السدر . أين سيصيد إن لم يصد في ذلك الوادي ؟ ! أخذت سبيلي إليه عصرا . رمله أبيض ناعم ينقطه بزل الماعز والنعاج التي تسير فيه إلى مسارحها في التلال 
الخفيضة المشرفة عليه من الشرق .في أي هيئة سأراه ؟ ! اندلعت حركة من أثلة في جانب الوادي الأيمن . برز 
أبو ماهر في بنطلون رياضة أزرق ومعطف زيتي وكوفية حمراء ملفوفة على رأسه . في يده بندقية دمدم، وتتدلى من كتفه مخلاة صفراء . قلت : صياد !
_ صياد .
_ أبو ماهر يصيد ؟ ! 
_ أليس مثل الناس ؟ ! 
_ نجلس هنا . 
_ تعال ! 
سايرته إلى سدرة في كنفها رماد وبراد شاي وكوبان وكيس بلاستيك معقود . قلت : حياة شاعر رومانسي . 
فنظر إلى نظرة أفزعتني . سألت نفسي : لماذا لا أغادره ؟ ! الرجل ليس طبيعيا . ظاهرٌ أن مقتل أخيه أثر في 
عقله ونفسه تأثيرا سيئا لم أحسن تقديره . قال دون أن ينظر إلي : نشرب الشاي .
سكب الماء في البراد ، فأطلت منه نملة ، فلم يهتم بها وبما تدل عليه من احتمال وجود سواها في البراد ،و فتح 
الكيس الأسود ، وأخرج منه صرة صغيرة بيضاء يبدو أنها تحوي شايا ، وحفن سكرا ألقاه في البراد ، وبدأ يحل 
الصرة . سكنت يداه خلال حلها ، وهمس منبهرا : يمامتان !
رأيت بدوري اليمامتين أمامنا على سدرة في جانب الوادي الأيسر . سدد فأصاب إحداهما . هوت تضطرب بين 
الأغصان حتى بلغت الأرض . رفرفت متقافزة ،فاندفع إليها . تابعته بعيني متوجسا قلقا . أمسك اليمامة . تأملها . 
ابتسم ابتسامة غريبة ، نزع من جيب معطفه سكينا وذبحها دون أن يبسمل . قال هازا رأسه يمنة ويسرة : آه لو 
أعرف قاتل أحمد ! سأذبحه ذبح هذه اليمامة .