البيعة

البيعة


آخر تحديث: August 8, 2018, 4:27 pm


أحوال البلاد
بقلم: شوقية عروق منصور

عايرها بكلماته التي تنقط السم ، ويحرق ما تبقى من الجسور الزوجية ، " أنت لا شيء ، أنت واحدة فوق البيعة " ...!!
انطفأت في داخلها الأضواء ، وانسابت العتمة من سنوات عمرها المتعب ، وصبت في عيون زوجها الذي يراها دائماً ناقصة ،فارغة من شي ما، فهي لا تملك الكمال الأنثوي المطلوب في نظر الرجل ، ومجتمعها يعتبر الكمال الجسماني شهادة وجود وقيمة خاصة للمرأة ، فكيف وهي عصير عاهة قد عصرت عينها وحولتها إلى بقعة مغلقة على نور خفيف ، في وجه جاف ، مشدود بالخوف ، يشعر أن اغتصاب ابتسامة هروب من المواجهة ..؟!
زوجها يعايرها بعينها " العورة " كلما أراد أن يحرك النقص في داخلها يمسك معلقة التشويه ويحرك أنوثتها المطعونة في قاع طنجرة الواقع ، يعايرها ، وضحكته تسبق صورة الاستهزاء التي يفرضها على الأجواء ، يناديها بأعلى صوته " يا عورة " ، انه يتمتع بمعايرتها أمام الناس ، من ضيوف وأقارب وجيران وأبناء ، حتى عابري السبيل يسمعونه وهو يعايرها ، انه دائماً يذكرها بعجزها ، فتصمت ، لأن سيوف ردها غير حادة ، أو تكسرت على رصيف الحياة الزوجية .
تذكر ان والدها أسقط آخر ورقة تنازل ورجاء أمام الجاهة ، التي جاءت تطلب ابنته الصغرى ، كان دائماً في حالة تردد ، شعاره أي مشكلة يقع فيها يجب أن يأخذ بتحليلها وفحصها وتفكيك خلاياها حتى يجد لها الحل ، لكن الحل أيضاً يرشق خوفه بعدم الثقة ويدفعه للتردد أكثر ، وعدم اقتحام الحل بجرأة رجل يثق بنفسه .
لكن الآن يجب أن يستغل هذه اللحظة ، فالحياة فرص ولحظات ، أمها قررت أن تجد طريقاً حتى تتخلص منها ، فهي شابة جميلة لكن عينها "كريمة" كانت امها تقول كلمة " كريمة " تخفيفا ً من وقع "عورة " على نفسيتها ، لم يسألها أحد ، فهي لا رأي لها ، أمها قررت أن ترمي الشبكة أمام عائلة عريس ابنتها الصغرى ، فابنهم الثاني كسول لا يعمل وحياته فاشلة ، فلماذا لا تستغل فشله ، تخيط عين ابنتها المفقودة على قماش كسله..؟! هي تربح زوجاً لابنتها ، وهو يربح زوجة دون مهر وتوابع العروس ، فهي ستتكفل بكل شيء ، الآن على زوجها الحزم والاقتحام مهما كانت النتائج ، وحانت الفرصة ..!
نادى والدها على والد العريس ، لف ودار، أقنعه بأسلوبه الهادىء الخجول أن يأخذ ابنته الكبرى أيضاً لأبنه الثاني بمهر واحد ، يعني فوق البيعة - عروستين بمهر واحد .. يا بلاش - ! قالها واختفى من أمام والد العريس ، الذي فوجىء بالعرض ، 
سأل ابو العريس ابنه الكسول ، وفتح سوق المزايدة والبيع والشراء معه ، أخذ الابن يجمع ويطرح ، مسألة حسابية توغلت في الحديث إلى حد الصراخ وانقسام الحضور ، رفض ان يتزوج " بعورة " لكن والدته أقنعته بحسها التجاري ، أن الزواج من "عورة" يأخذ حسنات عند الله لأنه " بجبر خاطرها " ثم " منين بدك توفر مصاري للمهر ، وهاي بتعيش كسيرة الجناح طول عمرها ، ما بتسألك وين رايح وين جاي" ..!!!
وتم عقد قرانها مع أختها ، وكانت فعلاً " فوق البيعة " ، باعوا الأخت وهي زيادة .
من أول ليلة قال لها عريسها ، انها زوجة فوق البيعة ، أي انها زيادة لا قيمة لها . ورسم حدود تواجدها في حياته وفي قلبه وعقله ، لم تمسك أي جهاز لقياس مشاعره ، الا عرفت أن أجهزة قياس المشاعر في العالم لا تستطيع أن تفسر هذا التجاهل ، الذي أسقطها به طوال السنوات الثلاثين التي عاشتها معه . 
جر التجاهل تجاهلاً من طرفها ، رضيت أن تبقى تحت إطار "فوق البيعة" حتى عندما أحب امرأة أخرى ، لم تغضب ، بل اعتبرتها البيعة التي كان يبحث عنها .
اكسبتها البيعة أولادها الذين يصفقون ويضحكون عندما يحكي لهم والدهم قصة "فوق البيعة" ، انها النكتة الحارقة التي تحرق أعماقها ، تحاول الضحك لكن لا أحد يتأمل الخيوط النارية التي تحرق جلدها . 
مضى العمر وهي تشعر أنها بدون رداء أنثوي ، تغرد في قفص مغلق ، مجهز بقضبان مكهربة من نسيان تلك اللحظة ..!
كلما كانت أمها تتأمل صمتها المطبق على حزن عميق ، كانت تنظر إلى زوجها وتتحدث معه بلغة خاصة ، تنضح بندم يجلس على هامش الحياة . 
لم يغفر لها زوجها وجودها في حياته ، حتى عندما مرضت زارها في المستشفى ، حاول أن يفتح معها أبواب الحديث ، لم يجد باباً يفتحه دون أن يجرحها ، لذلك فضل الصمت البارد الملفع برائحة الأدوية . 
عندما ماتت ، أعلن أن سيدفنها في مقبرة عائلته ، فهي زوجته وأم أبنائه ، المسؤولون عن المقبرة قالوا له أن المقبرة مليئة ولا يوجد فيها مكان لميت جديد ، وبعد اصرار وتفتيش وجدوا انه يستطيع أن يدفنها في قبر جدته ، فهي متوفية منذ أكثر من خمسين سنة ،ولم تعلم هذه المرة أن دفنها كان أيضاً "فوق البيعة " ..!!