كرة الحل تتدحرج نحو غزة


آخر تحديث: August 6, 2018, 5:25 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

وفد حركة حماس الذي اعتاد أن يتشكل من أعضاء مكتبها السياسي في غزة والخارج, ويلتقي في القاهرة قيادة جهاز المخابرات المصرية, ومن ثم وفد حركة فتح, ثم بعد ذلك كل يذهب إلى محل أقامته, تغيرت وجهته هذه المرة, حيث توجه كامل أعضاء الوفد إلى قطاع غزة, من أجل عقد اجتماع لمعظم أعضاء المكتب السياسي للحركة, لمناقشة مقترح يعتبر مفصليا, بل وحاسما في المسار السياسي لحماس منذ أن أنشئت حتى اللحظة . 
أول ما يمكن لحظه في ذلك هو أن قرار توجه كامل أعضاء الوفد لغزة, وبضمان بعدم تعرض إسرائيل لأعضاء الوفد من الخارج, من قبل كل من مصر والأمم المتحدة ممثلة بموفدها إلى الشرق الأوسط نيكولاي ميلادينوف, قد جاء بعد الرد الفتحاوي الذي سلمه وفدها للقاهرة إلى الجانب المصري, ثم قفل عائدا إلى رام الله, دون أن ينتظر لا لقاء وفد حماس ولا حتى رد الفعل المصري على الرد, الذي أغلب الظن أنه جاء بصيغة نعم ولكن, أو اللعم المشهورة, بما يعني بأن الراعي المصري لم يعجبه رد السلطة في رام الله, فكان أن سمح لمبادرة ميلادينوف أن تشق طريقها بين الجانبين, أي بين حماس وإسرائيل . 
ومجرد أن وصل وفد حماس لغزة أعلن جناحها العسكري عن تفويض القيادة السياسية باتخاذ ما تراه مناسبا لكسر الحصار عن قطاع غزة بالطرق السياسية, بما يعني فتح الباب على اجتماع المكتب السياسي ليناقش بحرية المقترح الأممي, دون فيتو أو حتى دون ضغط من الجناح العسكري, وهكذا خرجت قيادة حماس السياسية للحديث عن استعدادها للتوصل إلى تهدئة مقابل التسهيلات الإنسانية, أما ما يتعلق بالجنود الإسرائيليين فقد أبقت على إصرارها بأن يجري بحث قضيتهم وفق صفقة تبادل للأسرى, تبدأ أولا بالإفراج عن معتقلي صفقة شاليط .
بالمقابل فإن رئيس الحكومة الإسرائيلية, وبعد اتخاذ قرار توجه وفد حماس لغزة, قام بإلغاء زيارة له كانت مقررة لكولومبيا, ومن ثم عقد اجتماعا للكابينت مساء الأحد, أي بعد اجتماع قيادة حماس, ليقف الجانب الأسرائيلي أولا عند طبيعة الرد الحمساوي على المبادرة الأممية ليحدد بالتالي موقفه .
لا يمكن القول, رغم تكتم الجانبين على حقيقة ما اتخذ من تفاصيل الموقفين, إلا أنهما قد ابقيا على الباب مواربا, وحيث أنه من الصعب القول بأنه يمكن التوصل إلى اتفاق طويل الأمد يجمع بين صفقتي وقف النار وتبادل الأسرى, فضلا عن هدنة طويلة الأمد مقابل كسر الحصار, أي التوصل لحل أنساني/أمني, يفتح الباب واسعا لحل سياسي, بمعزل عن السلطة, ويفتح الباب واسعا لكيان غزة المستقل, إلا أن التوصل لاتفاق يعيد الأمر إلى ما كان عليه قبل انطلاق مسيرة العودة, يعتبر أيضا أمرا مستبعدا أيضا, لذا فإن الأقرب للعقل والمنطق هو أن تستمر محاولة ميلادينوف, بين الجانبين, أو حتى أن يتم تحويل المبادرة إلى حل متدرج أو متدحرج, يبدأ بوقف النار, وينتهي بحل سياسي بعد وقت, اعتمادا على التطورات الإقليمية وخاصة منها موقف السلطة من كل من طرفي التفاوض بالوساطة .
أولا وقبل كل شيء نقول بأن السلطة المركزية تخطيء تماما, إذا ما استمرت في "ركب رأسها" والإصرار على مواصلة طريق الضغط على حماس وغزة, ومطالبتها بقبول كل مطالبها, وإلا فلا مصالحة, وتخطيء أكثر في اعتمادها على نهج المعارضة الإعلامي لأية مفاوضات بين حماس وإسرائيل إن كانت عبر الوسيط أو حتى مباشرة, فحركة فتح ذاتها كانت قد شقت وعبر عرّاب أوسلو الرئيس الحالي محمود عباس قناة التفاوض الثنائي المباشر في أوسلو من وراء ظهر وفد م ت ف برئاسة حيدر عبد الشافي, ودون علم أي من الفصائل, وما حللته من قبل لنفسها لا يجوز لها أن تحرمه على غيرها, والأفضل هو أن تتراجع عن إجراءاتها العقابية ضد غزة, والتوقف عن التفرد وعدم القدرة على الشراكة حتى مع الجبهة الديمقراطية التي قامت مؤخرا بالسطو على دائرة المغتربين التي كان يرأسها تيسير خالد .
من الواضح بأن مصر تريد حلا لحصار غزة, وتفضل أن يجري ذلك عبر قناة إنهاء الانقسام, لكنها بالمقابل لا يمكنها أن تقبل بالرضوخ لكل مطالب سلطة رام الله, التي باتت ليست تعجيزية وحسب, بل ومذلة, وتكرس ليس سلطة القانون أو السلطة الشرعية بل سلطة أجهزة التنسيق الأمني . 
ومن مصلحة الشعب الفلسطيني الآن أن يضحى بحكومة التكنوقراط التي خلت من مفردات الكفاح الوطني, لحماية المشروع الوطني, والذي كانت وتبقى غزة منصة أطلاقه, ورافعته بل وركيزته الرئيسية, وإلا فإن حركة الواقع لن تنتظر الإيقاع البيروقراطي, للسلطة المركزية . 
بالطبع فإن أول بند على جدول أعمال مبادرة ميلادينوف هو وقف النار, أي وقف إطلاق البالونات الحارقة مقابل وقف الاغتيالات الإسرائيلية, ولكن ذلك دون أن يكون جزءا من صفقة أو حل مهما كانت طبيعته, فإنه لا يعني أكثر من العودة إلى ما قبل آذار الماضي, ولا مصلحة لحماس في الموافقة على شروط افيغدور ليبرمان, كذلك لا يمكن لحماس أن تقبل صفقة تحرير جثث الجنود وإطلاق سراح المواطنين الإسرائيليين الأسرى لديها, مقابل فقط تسهيلات إنسانية .
لذا فإن الحديث عن تهدئة هو أولا أمر ليس بجديد ويمكن التوصل إليه في كل لحظة, كذلك أيضا فإن التوصل لصفقة تبادل أسرى ممكنة ولكنها تحتاج وقتا طويلا, ويبقى الحصار, الذي إن لم يكن ممكنا كسره عبر إنهاء الانقسام, فإن حماس ستضطر إلى تقديم التنازل حتى يتم كسره بالاتفاق مع إسرائيل, الكرة إذا هي في ملعب السلطة برام الله, حيث يمكنها أن تتدارك السيناريو الأسوأ, وهو أن يجري كسر الحصار بالاتفاق مع إسرائيل, التي عينها على فتح الباب أمام كيان غزة السياسي, لذا فإن الحل المتدرج يبدو أقرب الحلول للتنفيذ, حيث يكون هناك وقت أمام السلطة لتجاوز عقبة ممانعة التكنوقراط لإنهاء مشرف ووطني للانقسام, وبالتالي لكسر الحصار عن غزة في السياق الوطني وليس على حسابه, وقد اعذر من أنذر, ولن يطول الوقت, ويتم التوصل لاتفاق يراه الكثيرون مستحيلا ونراه نحن وراء الباب أو اقرب مما يظنون .