حين يصبح أبغض الحلال عند الله وسيلة لتحسن الظروف المعيشية!


آخر تحديث: August 2, 2018, 1:44 pm


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير محمد عابد

يعدّ عقد الزواج في الإسلام من أسمى العقود على وجه الإطلاق، بل إنّه أسمى علاقةٍ بين طرفين، حيث يترتّب عليه ,وتبني عليه الكثير من العلاقات الأسرية والاجتماعية، لأجل ذلك فقد حرص الإسلام على أن تكون العلاقة بين الأزواج قائمةً على المودة، والألفة، والاحترام المتبادل، وقد نبّه من أن يدخلها أي شيءٍ من التباغض، والتجافي، والفتور، وحرص ألّا يدخل في الحياة الزوجية ما يُعكِّرها فأمر الزوجة بطاعة زوجها، واحترامه، والعناية به، وتلبية جميع احتياجاته، كما أمر الزوج باحترام زوجته، وتقديرها، والحرص على راحتها، وتأديته واجباته تجاهها، فإن تعكّر صفو الحياة، وانتشرت الخلافات واستمرت، وأصبحت العلاقة بينهما مدعاةً للهموم، ومجلبةً للشرّ فقد شرّع الإسلام الطلاق؛ للخلاص من تلك الحياة، وقد وضع الإسلام للطلاق قيود وشروط، فنهى الزوجة أن تطلبه دون حقّ، كما قيّد استخدام الرجل لهذا الحقّ بقيودٍ معينةٍ، ورتّب الإثم والخسران عليه إن أساء استخدام هذا الحقّ,لدرجة أن البعض بات يعتبره "أبغضَ الحَلالِ إلى اللهِ", ولكن في زماننا هذا بات أبغض الحلال إلي الله وسيلة للتحايل على القانون بطلاق وهمي ,صوري على الورق فقط، ليحققوا من خلاله مصالح شخصية، فيكونون على الورق مطلَّقين، بينما في الواقع تستمر بينهم الحياة الزوجية الطبيعية, قد تكون المصلحة في مكسب مادي تحصل عليه الزوجة كمطلقة ، بعد ما كنا نسمع عن الزواج العرفي  الذي يقع بعد تراضي الطرفين, على أن يكون على الأوراق فقط ولا يثبت بالفاتحة والألفاظ التي تدل عليه والموجودة في ديننا الإسلامي , أصبحنا نسمع اليوم عن شئ معاكس تماما للزواج العرفي , ألا وهو الطلاق العرفي أو الصوري أو الوهمي أو طلاق المصلحة كما يسميه البعض, وهو اتفاق الطرفين على الطلاق على الأوراق أمام الجهات الرسمية, على أن لا يتلفظ الزوج بعبارات وألفاظ الطلاق, وهنا العقد الشرعي يبقى ساري المفعول, والعقد المدني يبطله البعض, وهذا من أجل تحقيق غاية معينة والتي تصب في مجملها عند الكثير منهم في تحسين مستواهم المعيشي.

"ص.ع" من مدينة خانيونس عرض علي زوجته "ن.ع" أن يقوم بتطليقها طلاقا صوريا ,علي الأوراق فقط ,وتبقي هي في منزلها الذي استأجره لها مسبقا, وهو يأتي لها في الليل فقط حتى لا يراه الناس والجيران , والسبب في هذا العرض بحسب الزوجة "ن.ع" "هو الحصول علي الشئون الاجتماعية , فزوجي موظف يتبع لسلطة رام الله وقد طاله التقاعد المبكر , والديون تراكمت عليه بسبب القروض , ولم يعد قادرا علي تلبية احتياجات المنزل وأجرته وطعام أبنائه وغيرها من الالتزامات , إلي أن حدثه صديق له عن هذه الفكرة ,فجلس يقنعني أن هذا الشئ ليس محرما وإنما يصب في مصلحة أبنائنا وعائلتنا , وعندما قلت له سأقوم بسؤال والدتي انهال عليا ضربا , وطردني من المنزل , فعدت إلي منزل عائلتي وأخبرت والدي بما جري بيني وبين زوجي , والدي الذي استشاط غضبا وذهب إلي زوجي في محاولة منه لترتيب الأمور ولكن زوجي رفض الحديث في الموضوع , وطلب من والدي أن يتحدث معي ويقنعني بقبول عرضي وإلا سيقوم بتطليقي بشكل رسمي وحقيقي , والدي رفض هذا الكلام لأنه مخالفا لدين الله, وبقيت في منزل عائلتي ومن تلك اللحظة لم يقم زوجي بإجراء مجرد اتصال ليطمئن علي أولاده "

في منطقة الدهينية شرق مدينة رفح , تلك المنطقة النائية الحدودية , توجد عشرات الحالات التي قامت باللجوء إلي الطلاق الوهمي أو العرفي أو الصوري , فالناس هناك تربوا في بيئة يسودها الجهل وتسيطر عليهم الحياة البدائية , يسعون لتحسين ظروف حياتهم بأي شكل من الأشكال ,متجاهلين شرع الله ,وتناسوا العادات والتقاليد التي تربط مجتمعنا , تقول تهاني " لقد طلب مني زوجي خميس أن يقوم بتطليقي بشكل صوري فقط في المحكمة علي أن تبقي علاقتنا الزوجية كما هي أمام الناس وعائلتي ,ليتسن له أن يسجل اسمي في قوائم الشئون الاجتماعية , وقال" أن هناك شخص يقوم بتسهيل حصول المطلقة علي شئون اجتماعية مقابل مبلغ مالي ,وان هذا العمل يأتي لمصلحتنا بحجة أني حين أصبح مطلقة علي الورق سأحصل على مبلغ 1800 شيكل , حينها سنصبح قادرين على بناء أسرتنا بشكل جيد , وستتحسن ظروفنا الاقتصادية" , وحين حدثت والدتي بهذا الموضوع وجدتها رحبت به , وقالت لي " الزوجة يجب أن تقف بجانب زوجها , وانه يجب أن أفعل ما يطلبه زوجي حتى لا أصبح مطلقة بشكل حقيقي , وأجلس بوجه عائلتي أجلب لهم العار " وكان هذا سببا لقبولي هذا الشكل الغريب في الحياة الزوجية".

وبعد هذا وجدت أحوال البلد ضرورة معرفة رأي القانون حول هذا الموضوع من خلال المحامية صبحيه جمعية والتي بدورها قالت :"لا يمكن التمييز بين الطلاق إذا كان صوريا أو لا ,وأنه لا توجد عقوبات قانونية يمكن أن توقّع على المتورطين في هذا النوع من الطلاق, لأنه يتم بصورة قانونية وشرعية من حيث الشكل والطريقة ولا يمكن إثباته هل هو حقيقي أو لا,  مؤكدة في الأخير أن هذا التصرف له آثار نفسية وخيمة على المرأة وحتى أبناءها"

ولمعرفة رأي أساتذة علم الاجتماع في هذا الموضوع , التقت أحوال البلد بالدكتور خالد زملط  ،"الذي بدوره أشار إلى أن تراجع التنشئة الدينية الصحيحة أساس كل الفساد في المجتمع، لأن القيم والأخلاق تراجعت وحلّ محلها استحلال الحرام، حتى وصل الأمر إلى الأعراض وليس الأموال فقط، حيث يرضى بعض الأزواج والزوجات العيش معاً في الحرام، بعدما لجئوا إلى الطلاق الورقي أو الصوري أو الوهمي فقط".

ويؤكد أستاذ خالد أن "منظومة الأخلاق في خطر عظيم، ولا يجني ثمارها المرّة القائمون بها فقط، بل كل من عرف بالخطأ أو الفساد ولم يبلّغ عنه، لأن السلبية المجتمعية تشجع على الفساد، حتى يصل الأمر إلى أن يكون الرجل مطلقاً زوجته في المحاكم ويعيش معها في بيت الزوجية وكأن شيئاً لم يكن، ويسكت المجتمع عن هذا الخطأ، مما يشجع الآخرين على تقليده طالما نال من مخالفته هذه مصلحة دنيوية، مثل حصول مطلقته  شكلياً على تبرعات من أهل الخير، وتسجيل اسمها في الشئون الاجتماعية ضمن المطلّقات، أو نجاحها في الحصول علي مساعدات من هنا أو هناك علي أساس أنها مطلقة تحمل ورقة طلاق رسمية من المحكمة، في حين تعيش هي حياة زوجية مستقرة".

وينهي الأستاذ خالد حديثه، مؤكداً "أن الإصلاح الحقيقي لأي خلل في المجتمع يبدأ من الأسرة، التي يجب أن تعلّم أبناءها وبناتها التمييز بين الحلال والحرام منذ الصغر، فينشأ الصغير على خشية الله في السر قبل العلن، وبالتالي يكون منضبطاً بالضوابط الشرعية في الحلال والحرام في حياته كلها، وليس باحثاً عن ثغرة قانونية يحقق بها مصالح شخصية محرّمة شرعاً وقانوناً".

أما رأي علماء الدين حول هذا الطلاق الصوري الوهمي، ومدى شرعية استمرار الحياة الزوجية بعده؟

الشيخ محمود مصلح إمام مسجد الصحابة في المنطقة الوسطي يقول : "إن هذا الطلاق هو نوع من العبث بأحكام الشريعة, فالنكاح كما هو متعارف عليه هو الميثاق الغليظ, من أعظم الروابط البشرية التي شرعها الله عز وجل لعباده , لتكوين أسرة مسلمة مستقرة, وليس من أجل تحقيق بعض المصالح, والأبشع من هذا هو عندما تصبح هذه العلاقة محل تلاعب أو استخفاف عند البعض عندما يلجئون إلى فسخ هذه العلاقة من أجل الوصول إلى مبتغاهم", مستندا في ذلك على قوله سبحانه وتعالى: "ولا تتخذوا آيات الله هزوا", وأيضا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته", لذلك هناك بعض من يقول لزوجته: "طلقتك, راجعتك, ثم طلقتك, راجعتك".

ويؤكد مصلح" أنه لو وقع هذا الطلاق الذي يسمونه بالصوري ومات الزوج مثلا, فهنا ستحرم الزوجة من ميراثها, لأن هذا الطلاق يصبح صحيحا بعد إتمام شروطه وأركانه".

وأضاف مصلح "لا قيمة لما يستند إليه هؤلاء بأن التوثيق لا دخل له في مشروعية هذا الطلاق، فهذه مقولة حق يراد بها باطل، وظاهرها الرحمة والحلال وباطنها العذاب والحرام، لأن الشرع يُقر الأعراف والقوانين السوية التي تنظم حركة المجتمع، ولهذا قال الله تعالى: "خُذِ الْعَفْوَ وَاْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ" (آية 199) سورة "الأعراف".

ويشير مصلح "إلى أن التوثيق، من الناحية الشرعية، سواء للزواج أو الطلاق، لا يؤثر في الحلال أو الحرام، لكنه أمر أقرّه ولي الأمر محافظة على الحقوق خاصة للزوجة من الضياع، بسبب ضعف الوازع الديني لدى بعض الأزواج في عصرنا، ولهذا فإن الأزواج والزوجات الذين يلجئون إلى الطلاق الصوري يرتكبون إثماً عظيماً، ويكفيهم أن يكونوا ممن قال الله فيهم: "لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ" (آية 25) سورة "النحل".

وحذر مصلح "من يفعلون ذلك، استناداً إلى بعض الآراء الفقهية للفقهاء القدامى، الذين لم يكن في عصرهم توثيق أصلاً، فكان الزواج أو الطلاق يتم بالكلمة فقط، لكن هذه الكلمة كانت أقوى عندهم من ألف كلمة مكتوبة وموثّقة، لأنهم كانوا يخشون الله ويبتعدون عن شبهة الحرام، خاصة في ما يتعلق بالأعراض. أما في عصرنا الحالي، فإن هناك توثيقاً لإثبات الحقوق، ومع هذا نجد من يتحايل على التوثيق من خلال الطلاق الصوري".

من جانبه أكد الشيخ إبراهيم أبو جلمبو  "أن الطلاق الصوري نوع من التحايل والخداع المرفوض شرعاً، ولهذا يخشى فاعله أن يتم الإبلاغ عنه أو فضح أمره، لأنه يعرف أن ما فعله مجرم قانوناً، ومن ثمَّ يكون مجرماً شرعاً، لأن وراءه مصلحة غير مشروعة، ويخاف فاعلها أن ينكشف أمره، ولهذا يروى أن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) قال للصحابي وابصة: «جئت تسأل عن البر والإثم؟ قال: قلت نعم. فجمع أصابعه فضرب بها صدره، وقال: استفتِ نفسك، استفت قلبك يا وابصة ثلاثاً - البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك». وفي رواية أخرى "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس".

ويشير الشيخ أبو جلمبو إلى أن "الإسلام يحارب كل الوسائل غير المشروعة، التي فيها تحايل لنيل حق ليس من حقك، ولهذا فإن الطلاق الصوري ممقوت ومنبوذ شرعاً، ويجب الابتعاد عنه لما فيه من مخالفات شرعية، ولهذا قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"

وينهي الشيخ أبو جلمبو حديثه مؤكداً "أنه لا يصح إلا الصحيح، بمعنى أن الزواج أو الطلاق العلني والرسمي وليس الصوري  هو أسلم الطرق من الناحية الشرعية والقانونية، ولهذا فإن الإسلام يرفض الطلاق الصوري ويعتبره واقعاً من الناحية الشرعية، لأن لا بد من معاملة الجاني بعكس مراده أو هدفه ليرتدع، فيكون الردع بأن يُحسب الطلاق الرسمي الموثّق طلاقاً حقيقياً، وبالتالي تُحرَّم عليه زوجته، لأنها تحولت إلى مطلقة ويجب على الحاكم تنفيذ هذا الحكم، لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"