غزة بين الحصار والحرب


آخر تحديث: July 19, 2018, 2:35 pm


أحوال البلاد
بقلم: يونس السيد

ممنوع على غزة أن تأكل أو تنام أو تعالج مرضاها أو حتى أن يذهب طلابها إلى مدارسهم، أو أن يتحرك سكانها نحو أعمالهم، إلا بأمر من قوات الاحتلال، وإلا فإن الحرب قادمة لا محالة، وعندها سيكون الموت بانتظارهم، والموت قادم في كل الأحوال، سواء بالطائرات والصواريخ أو عن طريق الجوع والمرض والأزمات القلبية، فقد تعددت الأسباب والموت واحد.

حصار فوق الحصار، وتشديد الحصارات المركبة بإغلاق كل المنافذ، ومنع دخول أي نوع من الغذاء والدواء وكل أنواع الوقود والديزل وغاز الطهي إلى قطاع غزة، إلا بتصريح خاص من جنرالات الاحتلال، وتضييق مساحة حركة الصيادين، حتى يتوقف الأطفال الفلسطينيون عن إطلاق طائراتهم الورقية وبالوناتهم الحارقة على مستوطنات ما يسمى «غلاف غزة»، وكل ذلك ليس سوى خطوات تمهيدية لحجب الشمس وإقامة جدار عازل يمنع الهواء من الوصول إلى سكان القطاع، إذ عليهم أن يتنفسوا بما هو متوفر لديهم حتى ينفد.. ثم يموتوا.. وهكذا يتخلصون من غزة المزعجة، وتتحقق نبوءة اسحق رابين الذي حلم ذات يوم بأن يصحو من نومه ليجدها قد غرقت في البحر.

ثلاثة حروب رئيسية، عدا الحروب المصغرة والقصف شبه اليومي، عاشها قطاع غزة خلال نحو 12 عاماً، رافقها حصار محكم منذ عام 2006، لم تكن كافية لتركيع هذا القطاع العنيد أو تطويعه أو إخراجه من دائرة الصراع، ولم يبق أمام الاحتلال سوى تجريب حظه في خوض حرب جديدة قد تكون الرابعة، أو ربما يذهب إلى الخامسة والسادسة والسابعة، ومع ذلك، يبدو واضحاً أن غزة لن تنكسر وأن سكانها الذين عادوا إلى الحياة الأولى استبدلوا الغاز بالطهي على النار، والأدوية الحديثة بالأعشاب، وأنهم مصممون على المواجهة ورد الصاع صاعين، وتحقيق معادلة «توازن الردع» مع الاحتلال، فلا الطائرات الورقية ستتوقف، ولا المقاومة الشعبية بكل أنواعها، ولا المقاومة الفصائلية ستوقف إطلاق صواريخها على أهداف الاحتلال ومعاقله الاستيطانية.

لقد فهم الفلسطينيون الدرس جيداً.. حاصر حصارك لا مفر.. صحيح أن كل ذلك سيكون مكلفاً، ولكن التلويح بحرب جديدة وإجراءات الاحتلال الانتقامية بقطع كل إمدادات الحياة عن الشعب الفلسطيني لم تعد مجدية أيضاً، إذ لم يعد للفلسطيني ما يخسره، بعد أن اغتصب وطنه واقتلع من أرضه وفقد معظم أهله وأحبته، وأغلقت كل أسباب الحياة في وجهه، وهي المعادلة التي لا يريد أن يفهمها الاحتلال الذي لا يزال يتخبط وينتقل من النقيض إلى النقيض، من «صفقة القرن» التي تبدأ من غزة وإنعاشها اقتصادياً ووضع «خطة مارشال» لها، إلى مضاعفة الحصار والتهديد بحرب جديدة لن تكون نزهة، بطبيعة الحال، ولا يوجد حتى إجماع «إسرائيلي» حولها، وبالتالي لا خيار أمام الاحتلال وغطرسته سوى النزول عن الشجرة.

 

عن جريدة "الخليج" الإماراتية