الإرهاب الدولى وحقوق الإنسان

الإرهاب الدولى وحقوق الإنسان


آخر تحديث: July 16, 2018, 1:23 am


أحوال البلاد
بقلم: د. فؤاد عبد المنعم رياض

تشهد البشرية في العقود الأخيرة أخطارًا تُنْذرُ بزوال ما حققته عبر العصور من ارتقاء بحقوق الإنسان ودعم لها. فقد تخطى الإرهاب حدود مختلف الدول ليصبح ظاهرة عالمية كما أنّ الأمر لم يعد مقصورًا على الدور الذي تقوم به جماعات إجرامية معينة بل امتد ليشمل ردود أفعال لدى دولٍ اتخذت من محاربة الإرهاب حجة لإهدار ما يُعرف بالحقوق اللصيقة بالإنسان كحق الإنسان في الحياة وسلامة الجسد واعتبار الإنسان بريئًا حتى يثبت العكس وعدم التعذيب سواء بعد الإدانة أو قبلها. وقد حاولت عديد من الدول الظهور بمظهر المحافظ على القيم الأساسية لحقوق الإنسان بينما هي في حقيقة الأمر تتخذ إجراءات استثنائية تُهدر هذه القيَّم. من ذلك ما ذهبت إليه المحكمة العليا الأمريكية من رفض لمحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية ووجود سجون سرية، ولكن الدولة واصلت مع ذلك إنشاء هذه السجون خارج حدود الولايات المتحدة كما هو معلوم بحجة أنَّها ليست على أرض أمريكية، وكذلك عدم تحريم التعذيب في هذه السجون. كذلك اتخذت المحاكم البريطانية أسلوبًا ملتويًا للظهور بمظهر المتمسك بحقوق الإنسان إذ قررت عدم قبول أي اعتراف يتم عن طريق التعذيب إذا كان ذلك على الأراضي البريطانية ولكنها تُقر أي اعتراف قد يتم في الخارج تحت وطأة التعذيب. وقد استغلت بعض دول العالم خوف المجتمع الدولي من ظاهرة الإرهاب لتعطيه تعريفًا مضللًا يشمل الكفاح المسلح لشعوب محتلة تناضل من أجل حريتها. كما نشهدُ في أراضي فلسطين المحتلة من قتل جماعي دون تفرقة، وعقوبات جماعية ردًا على أي مقاومة فضلا عن التعذيب في السجون الإسرائيلية. كذلك قد تلجأ سلطات بعض الدول لإجراءات مخالفة لحقوق الإنسان ضد فئات معينة من شعبها لاعتبارات دينية أو سياسية بحجة محاربة الإرهاب.

إنَّ العالم يواجه بحقٍ معادلة صعبة تضع الإرهاب ومخاطره من ناحية وتؤكد من ناحية أخرى ضرورة وجوب الحرص على الحفاظ على حقوق الإنسان؛ أي أنَّه يتعين حماية المجتمع الدولي من كل الجرائم الإرهابية التي قد تجتاحه، كما يجب في الوقت نفسه عدم إهدار حقوق الإنسان والقيم الأساسية التي تقوم عليها حياة المجتمع الدولي وذلك حرصًا على توفير تلك الحماية أيًا كان الثمن.

إنَّ إهدار الدولة لحقوق الإنسان وآدميته يشكل في واقع الأمر إرهابًا عكسيًا أكثر خطورة إذ إنه لا يقتصر على انتهاك آدمية الإنسان بل يهدر سيادة القانون التي يقومُ عليها بنيان الدولة نفسه. إن عدم احترام أي دولة لقدسية القانون بحجة الكفاح ضد الإرهاب من شأنها أن توقعنا في حلقة مفرغة تؤدي إلى العودة إلى شريعة الغاب حتي تصبح ناموسًا للحياة البشرية بأسرها. إنَّ التصدي للإرهاب بعد أن يكون قد ضرب بجذوره ليس هو سبيل القضاء عليه. فالأمر يتطلب القضاء على هذه الجذور نفسها ومعالجة الأسباب التي أدت إلى وجوده. ولعل خير تعبير للأسلوب الواجب اتباعه لاجتثاث خطر الإرهاب من المنبع هو ما ورد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 44/29 في 6/12/1989 «إنَّ الجمعية العامة تدعو الدول إلى الإسهام في القضاء تدريجيًا على كل الأسباب التي يقوم عليها الإرهاب الدولي، وأن تولي عناية خاصة لجميع الحالات بما في ذلك تلك التي تسبب في نشوئها الاستعمار والعنصرية والانتهاك الجماعي والصارخ لحقوق الإنسان والحريات الأساسية وكذا كل الحالات التي تتضمن السيطرة الأجنبية والاحتلال الأجنبي والتي قد تُعرض السلام والأمن الدوليين للخطر». إنَّ انتهاك حقوق الإنسان الأساسية لأي سبب كان وعلى رأسها الاستعمار والتعصب والعنصرية كما أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها السابق هو بلا شك مصدر رئيسي للإرهاب بجوار الاستعمار والاضطهاد الجماعي. كما أنَّ عدم التحديد الدقيق لماهية الإرهاب وفقًا لمعايير دولية ثابتة من شأنه اتخاذه ذريعة لارتكاب ما يُعرف بإرهاب الدولة. إنَّ سيادة القانون هي الركيزة في اتخاذ أي إجراء لحماية المجتمع من أي مخاطر. وهي أمضى سلاح لحماية البشرية من كل ما يهددها سواء صدر ذلك عن جماعة إرهابية أو عن دولة خارجة عن القانون.

 

عن جريدة "الأهرام"