الشاشة الكبيرة أنصفت الشيخ إمام... بالقطّارة


آخر تحديث: July 12, 2018, 11:32 pm


أحوال البلاد

 

مرت قبل أيام مئوية المغني والملحن المصري الشيخ إمام عيسي المولود في 2 تموز(يوليو) 1918 في الجيزة، والذي شكل ثنائياً شهيراً مع الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم، فعبّرت أغانيهما عن وجع النكسة، والتهكم من ثقافة الاستهلاك والتبعية للغرب، كما في «شرفت يا نيكسون بابا يا بتاع الوترغيت» أو «فاليري جيسكار ديستان». وكان من الطبيعي أن يدفعا ثمن «النضال الغنائي» اعتقالاً وسجناً في عصري الرئيسين الراحلين عبدالناصر والسادات.


والمفارقة أن يكون الغرب وبعض الدول العربية أكثر احتفاءً بالثنائي، حيث ذاع صيتهما من خلال حفلات في فرنسا وتونس ولبنان. فلمَ غُيب الثنائي الأشهر في الأغنية السياسية، عن الفيلم السياسي المصري ولو جزئيّاً؟

بهية والعصفور والغيبوبة


يبحث «العصفور» 1972 في أصداء ما بعد النكسة واختار مخرجه يوسف شاهين أغنية الثنائي «مصر يا أمه يا بهيه» مقدمة وخاتمة للفيلم، مع صيحة محسنة توفيق «هانحارب.. هانحارب». نفس الأغنية عاودت الظهور في مسلسل «نابليون والمحروسة» للمخرج شوقي الماجري بعدما فرضت نفسها على ألبوم الأغاني الوطنية المصرية، وأصبحت «بهية»/ نجم وإمام ـ الرمز الأشهر لمصر، لذلك لم يكن غريبًا أن تُستعاد أيضًا بعد عشرين عامًا في فيلم وطني أنتج بدعم حكومي هو «الطريق إلى إيلات» عام 1993، للمخرجة إنعام محمد علي.

كما ظهرت أغنية «صباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر» في فيلم «الهجامة» 1992، من تأليف أسامة أنور عكاشة وإخراج محمد النجار. ولاحقاً باتت الأغنية عنوان ثورة كانون الثاني (يناير) «الورد اللي فتح في جناين مصر!»

وكان فيلم «الغيبوبة» 1997، للمخرج هشام أبو النصر، - والذي شارك في كتابته ولعب بطولته الممثل الشاب يومها شريف صلاح الدين، الذي حقق شهرته بتجسيد شخصية طه حسين طفلاً في مسلسل «الأيام» ثم حاول لعب بطولة بعض الأعمال لم تصادف نجاحاً -، الأكثر سخاءً في استثمار التجربة حيث وظف أغنيتين ضمن السياق الدرامي هما «العيسوي بيه» و «شرفت يا نيكسون بابا»، على رغم ما تنطويان عليه من حس هجائي حاد أكثر من «مصر يا أم يا بهية» و «صباح الخير على الورد اللي فتح» لكن أداء المغني طارق فؤاد، وأسلوب التوزيع الموسيقي، أفقدهما الكثير من الجمال.

«الفاجومي»

تؤرخ تجربة نجم - إمام لنصف قرن من الغليان السياسي موثقة للنكسة والاستنزاف وحرب تشرين الأول (أكتوبر) ومعاهدة السلام وانقلاب السادات على اشتراكية عبد الناصر. ومن ثم تتوافر فيها جميع عناصر الدراما، لكنها ظلت «محظورة» سينمائياً إلى أن قرر المخرج عصام الشماع تقديم «الفاجومي» 2011، والذي يعد المحاولة السينمائية الأولى والوحيدة التي تناولت باستفاضة تجربة الثنائي، علماً أن البطولة كانت للشاعر لا للمغني، فالعنوان في الأساس مأخوذ من اللقب الذي عُرف به «نجم»، وتم استخدام أسماء محاكية، تجنباً على ما يبدو لأية مشاكل قانوينة، فالشاعر «أدهم نسر» بدلاً من أحمد فؤاد نجم، ولعب دوره خالد الصاوي، والمغني «الشيخ همام» بدلاً من «الشيخ إمام»، وجسده صلاح عبدالله. صحيح أن ثمة ملاحظات كثيرة على ضعف الإنتاج في هذا الفيلم، ومدى ملاءمة الممثلينِ للملامح النفسية والجسمانية للشخصيتين.. لكنها تظل تجربة جديرة بالاحترام.

وإذا كان الفيلم الروائي لم يستثمر إلا نادراً هذه التجربة، فالأمر نفسه يتكرر مع الفيلم الوثائقي، حيث قدمت قناة الجزيرة ضمن سلسلة «الممنوعون» فيلم «الشيخ إمام»، والمؤسف أنه لم يخل من توجيه ورقابة وحذف ألفاظ وردت على لسان رفيق دربه أحمد فؤاد نجم.

استدعاء خجول

إلى جانب الأعمال الروائية والوثائقية شبه النادرة، والاستثمار المحدود جداً لأغانيهما، كان هناك استدعاء خافت للشخصيتين، مثلاً في «زوجة رجل مهم» 1988، للمخرج محمد خان، يظهر عمار الشريعي بالنظارة والعود مع الإشارة إلى كانون الثاني (يناير) 1977 عام انتفاضة الخبز أو «انتفاضة الحرامية» وفق تعبير السلطة. من الواضح أن إطلالة الشريعي إشارة إلى دور إمام ونجم في تلك الانتفاضة، لكن الرقابة حذفت شيئاً ما من المقطع، حيث لا يُعقل أن يظهر موسيقي بحجم الشريعي لمجرد الدندنة على العود!

وفي «البحث عن أم كلثوم» 2017 للمخرجة الإيرانية شيرن نيشات، لعب الممثل قيس ناشف دوري «أحمد/لطيف» وكليهما أقرب إلى شخصية «أحمد فؤاد نجم» وثمة إشارة صريحة عندما طلبت منه أم كلثوم قصائد فرد بأن أعماله يلحنها «الشيخ إمام» فسألته: «الشيخ إمام الأعمى؟»

تغييب متعمد

ثمة صعوبة في استقراء المدونة السينمائية كاملة بحثاً عن آركيولوجيا «الشيخ إمام» ومن الواضح أن التجربة تم تغييبها لأسباب متشابكة، أولها قلة حظوظ الموسيقيين على شاشة السينما، باستثناء الحضور النمطي الكاريكاتوري، فليس ثمة أفلام تليق بأسماء بينها عبد الوهاب أو أسمهان، وكانت أم كلثوم الاستثناء الوحيد إضافة إلى تجربة «سيد درويش» 1966 للمخرج أحمد بدرخان.

السبب الآخر قلة الأفلام السياسية التي تتلاءم مع تجربتهما الغنائية. فمعظم الأفلام تأخذ منحى تاريخياً، وإيجابياً مثل «السادات» أو «ناصر 56» بعيداً من أي إدانة للسلطة‘ نظراً لتحكم القطاع العام في الإنتاج السينمائي، وكذلك رغبة المنتج الخاص في تجنب مصادرة فيلمه، علاوة على دور الرقابة القائمة إلى اليوم ـ في تنقية الشرائط من كل ما يثير غضب السلطة.

لذلك فإن الأفلمة السياسية الجادة والقليلة كما في تجربة عاطف الطيب، تعرضت كثيراً لبطش الرقابة. وبعضها الآخر كان يُمرر بوصفه إدانة لنظام سابق، فأفلام ما بعد تموز (يوليو) تدين الملكية، وأفلام السبعينات تدين المرحلة الناصرية كما في فيلم «الكرنك». لذلك جاء استدعاء الشيخ إمام/نجم، أو استثمار أغانيهما، مرتبطاً بالموقف السياسي لصناع تلك الأعمال وقدرتهم على فرض رؤيتهم، خصوصاً إذا كانوا أسماء بحجم يوسف شاهين ومحمد خان وأسامة أنور عكاشة.

كأن الأمر أقرب إلى «شطحات» فردية، قابلة للتمرير من الرقابة، ومقبولة من الحس التجاري للسينما. والمرة الوحيدة التي أطلقت السينما شريطاً كاملاً عن التجربة في «الفاجومي» جاءت متزامنة مع السيولة السياسية عقب ثورة كانون الثاني (يناير).

ولعل ما صعّب مهمة استحضار التجربة، أنها ظلت «نخبوية»... صحيح أنها تحاكي أوجاع المهمشين والعمال والفلاحين لكنها كانت محصورة في جلسات خاصة وحفلات شبه نادرة، مع استبعادها من المجال العام. وتلك إحدى تناقضات الإبداع اليساري الطابع، فعلى رغم إصراره على الانحياز إلى هموم البسطاء، يظل عاجزاً عن التواصل معهم. يضاف إلى ذلك حدة خطاب نجم وإمام ضد كبار الفنانين، وضد الإبداع المسموح بتداوله، ما خلق حالة عداء ضدهما من قبل شخصيات نافذة ولعل أبلغ دليل كواليس قصيدة «كلب الست» التي تهجو كوكب الشرق.

أيضاً للثنائي أغنية بعنوان «صندوق الدنيا» لا تخلو من التعريض بقصص السينما المصرية ورموزها.

واتفرج يا سلام / أفلام القرع كوس / حتقدم فيلم خام/ من مخرج الروايح

ومسبب الزكام/ عن قصه واقعية / من تشخيص المدام / والفيلم لجل خاطرك /واخد مليون وسام

ولعل الفضل لثورة يناير، ومقاطع «اليوتيوب» في إعادة الوهج لصعلوكين اختارا العيش على الهامش في حارة «خوشقدم»... على رغم قدرتهما على إرعاب السلطة بأغنية شجاعة مدندنة على العود.