الجامعة حلم يصعب علي فقراء غزة تحقيقه


آخر تحديث: July 12, 2018, 6:10 pm


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير محمد عابد

النجاح طعم الهوى الذي يعتليه المتفوق، وعزف العود على أعتاب تحقيق حلم يعانق الطالب منذ قرابة ال12 عاما، هي فرحة النجاح التي لا تضاهيها فرحة، لكن ما أوجع الغصة حينما تصطدم بنا في أنات هذه الفرحة!.

الطلبة الناجيين في الثانوية العامة " التوجيهي" لم يسلموا من نار الظروف الاقتصادية الصعبة , تلك الظروف التي تصر علي زج نفسها في كافة تفاصيل المواطن الفلسطيني في قطاع غزة , لقد أسدل الستار عن حالة من الفرحة العارمة لدي عائلات الطلبة الناجحين في الثانوية العامة , لتدخل تلك العائلات في صراع داخلي بينها وبين ابنها أو ابنتها الذي درس واجتهد ونجح , وانتظر أن تكون مكافأته الالتحاق بالجامعة التي لطالما حلم بها ولكن نار الظروف و الأوضاع المعيشية والاقتصادية الصعبة والسيئة التي يعيشها قطاع غزة, التي انعكست بشكل سلبي علي أولئك الطلبة من خلال عدم مقدرة أولياء أمورهم تأمين الرسوم الدراسية ومصاريف الجامعات ومتطلباتها،  في ظل الحصار الخانق وانعدام فرص العمل وأزمة الرواتب، أمام تلك النار الملتهبة يجد الطالب نفسه مجبرا علي ترك مقاعد الدراسة وتأجيل الالتحاق بالسنة الدراسية لحين تحسن الظروف.

ما يزيد حدة التوتر النفسي عند بعض الطلبة ,وأثقل القلق والخوف على مستقبلهم كاهلهم, ذلك القلق الذي بات يشله العجز المالي، فبدلاً من أن يلتزموا مقاعد الدراسة ويواصلوا مشوارهم الجامعي ليتخرجوا ويصبحوا منتجين في المجتمع أصبحوا يدورون هنا أو هناك فيما التزمت الطالبات البيوت وأصبحن حبيسات الجدران بانتظار الفرج.

داليا طالبة أنهت الثانوية العامة بمعدل 72% من الفرع الأدبي, تقول :" لطالما حلمت أن أنجح في الثانوية العامة , لانتقل من حياة المدرسة إلي حياة الجامعة ,تلك الجامعة التي باتت حلم يراودني في الصحو والمنام , وهذا كان الدافع الأساسي في دراستي واجتهادي , وبمجرد أن وصل خبر نجاحي , كاد قلبي يتوقف عن النبض , اليوم وبعد انتهاء المعايدات والمباركات , فاجأتني والدتي بخبر عدم مقدرة العائلة على تسجيلي في الجامعة , وذلك بسبب الوضع الاقتصادي السيئ الذي تعيشه عائلتنا , هنا فقط شعرت بخيبة أمل , تمنيت أنى لم أسمع هذه الكلمات من والدتي ووالدي , فوالدي قال لي أنا لا أملك ثمن طبيخ اليوم ,كيف سأوفر لك رسوم الجامعة , ومواصلات ,وكتب,وملابس , وغيرها الكثير من المتطلبات ؟! "

وتتابع داليا  : "لا شيء أعظم من أن تحلم، ولا شيء أسوأ من أن يتبدد هذا الحلم"، ذلك الحلم الذي داومت على رأيته يوميا "حلم الجامعة" يتبخر أمامي اليوم علي الرغم من نجاحي وحصولي علي معدل جيد , وتساءلت داليا عن الذنب الذي اقترفته لتحكم عليها ظروف قطاع غزة بعدم إكمال دراستها ؟ ولماذا يجب علي الفقراء دوما أن يدفعوا فواتير كل شئ ؟!"

هذا وتضيف داليا :" أنا أكره الظروف , وأكره الوضع الاقتصادي , أنا من حقي أن أدرس الجامعة , وأتخرج , وأرتدي ثوب التخرج , من حقي أن أحقق حلمي , ولكن هذا قدر , سألتزم البيت وسأتوقف عن الحلم أو حتى النوم "

علاء الذي حصل علي  معدل 93%  الفرع العلمي، منذ نعومة أظافره مني نفسه بأن يكون طبيبا، غير أن ظرف العائلة الاقتصادي وتعطل والده عن العمل حال دون مقدرة عائلة من توفير رسوم هذا التخصص , أو تخصص أقل منه , لدرجة أن والده طلب منه, أن يؤخر التحاقه في الجامعة للفصل الثاني بدلا من الأول , إلي حين تحسن الظروف الاقتصادية .

علاء يقول :" إن ظروف عائلتي الصعبة كانت الحافز الأساسي لنجاحي , وحصولي علي هذا المعدل ,ولكن أنا أعرف ظروف العائلة جيدا, فعائلتنا كبيرة , ووالدي هو معيل الأسرة , وأنا أكبر أبنائه , وهناك 6 أطفال في المدرسة , وجميعهم بحاجة إلى طعام وشراب , وملابس , وكتب ,ومصروف يومي , ودخل والدي محدود جدا , فنحن تتقاضي مبلغا من الشئون الاجتماعية مرة كل 3 شهور , هذا المبلغ لا يؤهل العائلة لتعيش في أسوا الظروف , فما بالك حين يلتحق أحد الأفراد في الجامعة ؟! , بالإضافة إلي أن والدي وحيد لا يوجد له أخوة أو أخوات ليقوموا بمساعدتي في إتمام دراستي الجامعية , وهذا سبب أخر في اقتناعي بحديث والدي , أنه في حال عدم توفر منحة دراسية كاملة , لن أستطيع الالتحاق بالجامعة , وانه يجب أن أبحث عن فرصة عمل لأساهم في مصروف البيت" .

ويتابع علاء :" الدول الأوروبية تقوم بتحفيز , وتشجيع الطلبة المتفوقين , وتقوم بتقديم التسهيلات ألازمة لهم , لتستفيد من إبداعهم وتفوقهم في مجالات تخدم رفعة الوطن , ولكن في غزة كل شئ محكوم عليه بالموت قبل أن يولد , حتى الحلم يموت قبل أن يولد "

ويختم علاء :" حتى لو لم أتمكن من الالتحاق بالجامعة من خلال منحة دراسية , سأبحث عن عمل , وأساعد عائلتي في تحسين ظروفهم , وسأقوم بالالتحاق في أي جامعة , لأحقق لوالدتي حلم راودها أن تراني وأنا أتخرج من الجامعة , سأعمل جاهدا علي تحقيق هذا الحلم مهما كان ثمنه "

من جانبه يري الدكتور في جامعة الأقصى رياض الزر : "إن الظروف الاقتصادية في غزة، تؤثر بشكل سلبي وواضح على الملتحقين بالجامعة، ولكن لا يمكن الحكم الآن بشكل  نهائي على عدد الملتحقين بالجامعات , خاصة أن التسجيل في بدايته "

ويقول الزر :" أنه علي الرغم من أن سعر رسوم الساعة بجامعة الأقصى هو الأقل بين الجامعات الأخرى, إلا أن الإقبال قد يكون منخفض جدا هذا العام تحديدا بسبب ما تعانيه غزة من أزمة رواتب وحصار خانق للغاية , وبطالة تجاوزت ال 60% , وتابع أن الكثير من الطلبة تواصلوا مع عمادة القبول والتسجيل , للاستفسار عن التسجيل وتكاليف الدراسة، ورغبتهم بها لكن ليس بمقدورهم دفع أية رسوم أو تكاليف".

وأشار الزر إلى "ضرورة وجود جملة من التسهيلات سواء من الجامعة ذاتها كتقسيط الرسوم الجامعية بشكل يريح الطالب، أو عبر تخفيض الرسوم الجامعية، أو من خلال الحكومة كعقد اتفاق بين الأخيرة والجامعات ".

وحول إمكانية تقسيط الرسوم، استبعد الزر "أن تقوم الجامعات بالتقسيط كونها تواجه أزمات مالية خانقة، مما سيحرم المئات من الطلبة من التسجيل بالجامعات".

ويبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة الطلبة المحرومين من تعليمهم الجامعي ، إلى متى سيبقى هذا الحال؟ وهل ستكون الظروف الاقتصادية الصعبة سيفا مسلطا على رقابهم يحول بينهم وبين تحقيق طموحاتهم في تحقيق حلم الدراسة الجامعية, أسئلة كثيرة تدور في عقل كل طالب نجح في الثانوية العامة , واصطدم اليوم بحاجز الظروف الاقتصادية , كل تلك الأسئلة بحاجة إلي من يجيب عنها ولكن من يملك الجرأة ؟!