حين تكون القابلة أحن من الوالدة !


آخر تحديث: July 11, 2018, 8:30 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

وصل الحال الفلسطيني الداخلي, في ملف الانقسام بين حماس وعباس, إلى مستوى "سيريالي" لا يمكن لعقل أن يفهمه, أو لقلب أن يحتمله, بحيث أنه صار يقلب ما هو مسلم به, أو ما هو من البديهيات, فحماس تصر على الاحتفاظ بسلطتها على قطاع غزة, بحجة الحفاظ على خيار المقاومة, وهي تدرك بأن المقاومة مطلوبة أكثر في الضفة الغربية, بينما في قطاع غزة مطلوب التنمية, والحفاظ على الحدود من قبل "جيش وطني" وليس جماعات حتى لا نقول ميلشيات مسلحة, وسلطة عباس تصر على السيطرة منفردة على قطاع غزة بالكامل, بحجة الحفاظ على الشرعية, وبادعاء أن تلك السيطرة تحقق الوحدة الوطنية, مع أنها تعلم بأن الشرعية قد تآكلت وطنيا ومن ثم شعبيا وقانونيا, بعد أن حل الاستحقاق الانتخابي منذ سنوات طويلة, وأن الوحدة الوطنية لا تكون شكلية, بل بجمع كل مكونات العمل الوطني ضمن جبهة وطينة وليس ضمن شراكة سلطة أو ائتلاف حكومي, وأن الوحدة الداخلية مطلوبة في الضفة الغربية لمقارعة العدو, وفي قطاع غزة من أجل إنشاء المشاريع الوطنية وعبر تحويل غزة, إلى هانوي أو فيتنام شمالية تكون رافعة لتحرير الضفة الغربية من الاحتلال .

أي أنه باختصار الوحدة الوطنية المطلوبة إنما هي وحدة برنامج كفاحي, وليس وحدة أو شراكة أو تقاسم سلطة ألقى بها الاحتلال, كما لو كانت هدية مسمومة, وربما كانت هي بالفعل كذلك, لأنها في الواقع سممت الوضع الداخلي, ومزقته إربا إربا, وتحولت مع مرور الوقت إلى كابح لجماح العمل الوطني الشعبي ضد الاحتلال, وعلى طريق بناء الدولة المستقلة .

أيا كان السبب فإنه غير مفهوم من حماس أن تبدي الاستعداد لأن تضع "بيضها" أو قوتها في سلة قوة أو دولة خارجية حتى لو كانت شقيقة في القومية العربية أو شقيقة في المعتقد الإسلامي, ولا تفعل الشيء ذاته مع السلطة الفلسطينية, ولعل حتى التوسط فيما يخص ملف الأسرى عبر الدول المجاورة أو غير المجاورة, باستثناء السلطة, أنما هو أمر مثير للغرابة, خاصة حين كانت السلطة تفاوض سياسيا إسرائيل, لأن حماس دائما تصر على أن تبدو في موقع الند من السلطة أو بمثابة السلطة الموازية, فيما إن السلطة لا تبدي أي اهتمام جدي أو عملي فيما يخص حصار قطاع غزة المحكم منذ أحد عشر عاما, فلا ظهرت يوما وهي تقوم بإسناد أساطيل كسر الحصار من زوارق أو بواخر, أو دعم المتضامنين الدوليين, فضلا عن انخراط كوادرها وقياداتها وموظفيها في فعاليات كسر الحصار .

لقد وصلت الأمور إلى حدود فاضحة من الوقاحة لدرجة انه يتم شد الحبل بين الطرفين على رقبة قطاع غزة, الذي بات بالكاد يتنفس بما يبقيه فقط على قيد الحياة بكل صعوبة, وأن يتم طوال شهور إما هز الأكتاف أو الاستمرار في ممارسة الكذب فيما يخص "العقوبات" المفروضة على قطاع غزة, خاصة فيما يخص رواتب موظفي السلطة ذاتها .

منذ خمسة عشر شهرا ومالية السلطة وحكومتها بالتالي تقوم بخصم ما بين 30_50 من رواتب الموظفين, الذين هم أصلا يتقاضون الراتب دون الحوافز والبدلات, ثم ومنذ خمسة شهور وهي تصرف نصف الراتب, هذا بعد أن امتنعت عن صرفه بالكامل في شهر نيسان الماضي.

لا أحد يحاسب السلطة المعلقة في هواء الاحتلال والمربوطة خيوطها بأصابعه, وحتى أنها لم تهتم بالإجراءات الأحتلالية الأخيرة الخاصة بإغلاق معبر أبو سالم وإحكام الحصار بالكامل, لإجبار حماس على تسليم الأسرى الإسرائيليين ضمن صفقة إنسانية , ووقف أطلاق الطائرات الحارقة, حيث من الواضح بأن السلطة قد سارت على طريق الخروج من قطاع غزة, وها هي تذهب إلى رفع يدها بالكامل, لتجبر القطاع على الانخراط في صفقة العصر, وفي الغوص في العمل السياسي "الوسخ" بدلا عنها .

أما حماس فمنذ أن سيطرت على غزة وخرجت من شراكة السلطة على كامل الوطن المحتل, وهي تعزز خاطبها السياسي الخاص أو المقتصر على القطاع, من خلال أطلاق فعاليات كسر الحصار, خاصة في الفصل الأخير, حين وجهت سهامها تجاه إسرائيل, وليس مصر, فبعد أن كانت في أول سنوات الانقسام تسيّر الاحتجاج إلى معبر رفح, حيث قامت باقتحام الحدود أكثر من مرة, ها هي في مسيرة العودة, بحكم علاقتها الجيدة مع مصر, توجه الغضب من الحصار تجاه إسرائيل, إن كان عبر الحدود الشمالية والشرقية للقطاع أو الحدود الغربية البحرية. وها هي تقوم بفعل عكسي, أي بدل أن تجيء السفن من الخارج لغزة, ترسل السفن من غزة للخارج, حيث أن استمرار هذا العمل, يجعل من ملف الحصار بندا على طاولات التداول السياسي, الأمر الذي ترى فيه السلطة فعلا موازيا للكفاح ضد الاحتلال . 

لقد اتخذت السلطة القرار/الخطيئة والمتمثل بتخيير حماس وغزة بين التسليم الكامل لها, أو مواجهة الخارج وحدها, وهي تظن بأن حماس ستختار الانتحار على خطيئة الانخراط في مسار دولة غزة, أي أن السلطة تقول لغزة: "مكسور ما تاكل وصحيح لا تكسر, وكل حتى تشبع " .

أكثر من ذلك فإن طرفي الانقسام, اللذين لا يريان إلا طريقا واحدا لإنهائه, وهو أن يسلم أحدهما كل شيء للآخر, وأن يخضع له بالكامل, ولا يرى أحدهما بالقطع أن إنهاء الانقسام يعني الشراكة أو الوحدة بالجمع بل "الوحدة" بالاندماج أو الانخراط والتسليم, لذا فهما وخاصة السلطة لم يعودا يسعيان إلى متابعة ملف المصالحة أو ملف إنهاء الانقسام, وبعد أن كانا يسعيان إليه, بل يقومان بفعل الحوار بنفسيهما, ها هما بحاجة إلى الدور المصري ليس فقط للرعاية, بل للإصرار على انجاز المصالحة, ومتابعة ملف إنهاء الانقسام .

 مع الحصار الخارجي الذي تفرضه إسرائيل, ومع إدارة ظهر السلطة لغزة تماما, فإن الانفراجة الوحيدة تتمثل في فتح معبر رفح, الذي ما زال مفتوحا بشكل يومي, منذ أول شهر رمضان الماضي, بما يعني بأن السلطة التي عادة ما كانت توصف بأنها "أي سلطة فتح" أنما هي أم الولد, قد ضربت بالحكمة الشعبية عرض الحائط, فإذا كانت السلطة هي أم الولد, أي أم غزة وكانت مصر هي القابلة, التي عادة ما تقوم "بتوليد الولد حين يجيء الأم المخاض" , فإن القابلة مع فتح رفح ومع إجراءات رام الله ضد غزة, تؤكد بأن القابلة هذه المرة وفي هذه الحالة هي أحن من الوالدة على الولد بكثير .