مرضي غزة يموتوا بقرار غير مُعلن عنه


آخر تحديث: July 7, 2018, 3:41 am


أحوال البلاد
بقلم: محمد عابد

تقرير محمد عابد

في يوم من الأيام أقامت نقابة الأطباء في إنجلترا حفل لتخريج دفعة من الأطباء الجدد وقد شهد الحفل رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الحين, وقام نقيب الأطباء أثناء الحفل بإلقاء النصائح الواجبة لهؤلاء الخريجين الجدد, وروى لهم ما يلي قال :" طرقت بابي بعد منتصف ليلة عاصفة, سيدة عجوز وقالت:" طفلي مريض وفى حالة خطيرة جدا وأرجوك يا دكتور أن تفعل أي شئ لإنقاذه", فأسرعت غير مبال بالزوابع العاصفة, والبرد الشديد والمطر الغزير ,وكان مسكنها في ضواحي لندن ,وهناك وبعد رحلة شاقة وجدت منزلها ,حيث تعيش في غرفة صغيرة ,والطفل في زاوية من هذه الغرفة ,يئن ويتألم بشدة, وبعد أن أديت واجبي نحو الطفل المريض ,ناولتني الأم كيسا صغيرا به نقود ,فرفضت أن آخذ الكيس واعتذرت بلطف عن نوال أجرى, وتعهدت الطفل حتى منَ الله عليه بالشفاء".

وتابع نقيب الأطباء كلامه قائلا:" هذه هي مهنة الطب إنها أقرب المهن إلى الرحمة بل ومن أقرب المهن إلى الأخلاق التي دعا إليها الله,وما كاد نقيب الأطباء ينهى كلامه حتى قفز رئيس الوزراء من مقعده واتجه إلى منصة الخطابة" اسمح لي يا سيدي النقيب أن أقبل يدك منذ عشرين عاما وأنا أبحث عنك فأنا ذلك الطفل الذي ذكرته في حديثك, آه فلتسعد أمي الآن وتهنأ فقد كانت وصيتها الوحيدة لي هي أن أعثر عليك لأكافئك بما أحسنت به علينا في فقرنا, أما الطفل الفقير الذي أصبح رئيس وزراء إنجلترا فكان لويد جورج".

ففي كل دول العالم توجد قوانين ولوائح حكومية تنظم إلى حد كبير ممارسة مهنة الطب, ولكنه في واقع الأمر بعيدا عن اللوائح والقوانين فإن سلوك الأطباء في ممارسة مهنة الطب تحكمه أخلاقيات لا تفرضها القوانين ولكن يقبلها إراديا كل العاملين في المهنة, هذه الأخلاقيات ذاتية المنشأ ونشأت منذ آلاف السنين وتسمى أخلاقيات المهنة , وبعيدا عن تلك الأخلاقيات هناك دور للحكومات في طريقة سيطرتها علي المستشفيات الحكومية , وكيفية تسهيل عمل تلك المستشفيات لخدمة المواطن , لأنها وجدت في الأصل لخدمة المواطن بالدرجة الأولي , علي عكس ما يجري في قطاع غزة من قبل مستشفيات القطاع الحكومية والتي تسيطر عليها حماس منذ أحداث 2007 والتي انتهت بسيطرة حماس علي القطاع بأكمله , ومنذ ذلك التاريخ وحماس تحكم سيطرتها علي قطاع غزة بالكامل ,فحماس هي من يقرر من يذهب إلي مستشفيات القطاع الحكومي في غزة, ومتى يذهب , وما هي محددات العلاج , ومن يستحق العلاج حسب تصنيفه ألفصائلي والحزبي , وهي أيضا من يقرر من يحق له الدخول أو الخروج من تلك المستشفيات , لدرجة أن المواطن بات يشعر أنه داخل سجن وليس مستشفي , هذا حال المراجعين المرضي المتجهين إلي مستشفيات القطاع , ناهيك عن انعدام الخدمة, وإغلاق غرف العمليات في وجه المرضي بحجة , حالة الطوارئ التي يعيشها القطاع منذ بدء مسيرات العودة , هذا كله أثار استنكار واستهجان المواطن في قطاع غزة , وباتت المطالبة ملحة بضرورة فتح غرف العمليات أمام المرضي ليتسن لهم تلقي العلاج .

فايز قنديل من وسط قطاع غزة يقول :"منذ ما يزيد عن عشرة أيام , وأنا أتواجد في مستشفي الشفاء , في مدينة غزة , لدرجة أني أصبحت من أعلام هذا المكان ,في محاولة للحصول علي حجز موعد لإجراء عملية نقل عينة سرطانية من أختي , ليتم إرسال تلك العينة إلي احدي مستشفيات الداخل المحتل , ليتم تحديد نسبة عمر الكتلة السرطانية , ومدي إمكانية تقبل جسد أختي للعلاج , ولكن كل جهودي باءت بالفشل"

ويتابع فايز :" علي بوابة قسم العمليات في مستشفي الشفاء يقف أحد أفراد الأمن , المحسوبين علي حماس , ويقوم بإغلاق بوابة ذلك القسم ,ولا يسمح لأحد الدخول , بحجة أنها مليئة بمصابي مسيرات العودة , والوضع الأمني لا يسمح بمرر أي شخص إلي الداخل ".

ويضيف فايز :" من خلال ترددي  اليومي علي المستشفي لاحظت, أن أبواب ذلك القسم قد يتم فتحها , ولكن في وجه من يمتلك فيتامين ^و^ في إشارة منه إلي الأشخاص الذين يملكون واسطة تفتح لهم بوابة قسم العمليات في مستشفي الشفاء علي مصراعيه , فإذا كنت تنتمي لحماس تحديد سيفتح لك هذا القسم علي مصراعيه , وبقية الناس يموتوا فلا داعي لوجدهم علي قيد الحياة "

ويختم فايز حديثه :" حين يكون الأطباء عبيد السلطان , يسيروا خلف مجموعة من التعليمات التي تصل لهم ولا يمكنهم تغيرها أو تعديلها , وكل ما يهمهم في الأمر كم سيدخل جيبه لا تحدثني عن مهنة الطب ولا أخلاقيات المهنة , اليوم من يتحكم في الطب في قطاع غزة هم مجموعة من تجار السياسة وسماسرتها ".

أميرة العاجز من جنوب القطاع تتساءل :" أين ذهب القسم الذي أقسمه الأطباء يوم تخرجهم من الجامعة ؟ ولماذا يسكتون علي إغلاق قسم العمليات في مستشفي ناصر الطبي, ذلك المستشفي الوحيد الذي يخدم المنطقة الجنوبية بأكملها ؟! , فلو تعرض أحد ضحايا حادث مروري إلي الخطر , واضطر به الأمر إلي الوصول لغرفة العمليات , هل سيقوم رجل الأمن بطرده من المستشفي , ويتركه يلقي مصيره في ممرات المستشفي علي مرآي ومسمع الأطباء ؟وذلك لان القيادي فلان يرقد في القسم بحجة متابعة العلاج ؟"

تقول أميرة العاجز لأحوال البلد  :"  معاناة أخي تتفاقم بشكل يومي , فهو بحاجة لإجراء عملية بشكل عاجل جدا , في منطقة الصدر , ليتسن له التنفس دون الاستعانة بجهاز التنفس , تلك العملية لا تستغرق أكثر من نصف ساعة , ولكن تم تأجيل موعدها عدة مرات منذ بدء مسيرات العودة , والظاهر أنه تم تأجيلها إلي أجل غير مسمي , مع العلم أن تلك العملية لا يمكن إجرائها إلا في غرفة عمليات مجهزة , اليوم نحن في سباق مع الزمن ليتسن لنا تحديد موعد لتلك العملية ولكن بلا جدوى"

وفي سياق الحديث وصفت العاجز وضعهم المادي بالصعب جدا قائلة :" والدي بالكاد يستطيع تامين قوت يومنا , ونحن مجبورين لعمل تلك العملية في المستشفي الحكومي , لأننا لا نملك رسوم المستشفي الخاص , ونحن من البداية نملك التامين الصحي , الذي يؤهلنا لدخول أي مستشفي حكومي , ولكن هذا القانون يسري في مكان غير قطاع غزة ".

هذا وتطالب أميرة العاجز السيد الرئيس , والسيد وزير الصحة بالوقوف عند مسئولياتهم تجاه أهل غزة والعمل بشكل جدي , لإنقاذ حياة أهل القطاع من أيدي أولئك القتلة علي حد وصفها .

سهيلا زكي تتحدث بحرقة وتقول :" لقد مللنا الاصطفاف بشكل يومي ,خلف شباك الحجز في مستشفي أبو يوسف النجار , في مدينة رفح جنوب القطاع , نحن نقف هنا يوميا في محاولة للحصول علي موعد لإجراء عملية الغضروف لوالدتي , ولكن دون جدوى , فذلك الموظف والذي يملا الغضب وجهه , لا يقول شئ جديد سوي أن المستشفي بحالة طوارئ بسبب جرحي مسيرات العودة , وانه يتوجب علينا المراجعة حال تغيرت الظروف ".

وتضيف سهيلا بحرقة :" إن غرف العمليات في قطاع غزة مغلقة بقوة السلاح , وان قرار الموت لمرضي القطاع أتخذ من قبل تجار الموت في غزة وهم قادة حماس , ولكن هذا القرار لا زال غير معلن بشكل رسمي"

  وتتساءل سهيلا :"لماذا أقدم القائمين علي مسيرات العودة , علي مثل هذه الخطوة ؟, مع العلم أنهم يعرفوا الواقع الصحي والطبي في القطاع بشكل حقيقي ,فغزة لا تملك أدني مقومات الصمود , ما ذنب المريض يمنع من تلقي العلاج المناسب له ؟ علما بان هذا المريض يمتلك ما يؤهله للاستفادة من الخدمات الطبية في المستشفي الحكومي ألا وهو التامين الصحي , الذي يؤهلك للعلاج في كافة مستشفيات الحكومة مجانا , ولماذا لم تزيد عدد المستشفيات في قطاع غزة بدلا من نهب وسلب كل التبرعات التي تصل للقطاع ؟ وتختم سهيلا بسؤال توجهه لأصحاب الضمائر الحية , إلي متى سيستمر الجرح الفلسطيني الغزي في النزف من بني جلدتنا ؟!

هذا وتبقي أقسام العمليات الجراحية في مستشفيات قطاع غزة , تغلق أبوابها أمام المرض , الذين أنهكم المرض والفقر , تلك الأقسام مغلقة بقرار غير معلن للجمهور عنه , ولكنها مغلقة بقوة سلاح من يحكم قطاع غزة , والذي لا يراعي مرض أو عجز .