اتحاد الكتاب: من الدلف للمزراب


آخر تحديث: July 7, 2018, 3:40 am


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

على شاكلة انعقاد المجلس الوطني قبل شهرين, وربما في هذا السياق الانقسامي أنعقد اجتماع لهيكل من هياكل السلطة الفلسطينية المتداعية والآيلة للسقوط بفعل الترهل والشيخوخة, نقصد به اتحاد الكتاب الفلسطينيين, داخل فلسطين, حيث أعلن هكذا فجأة ودون سابق إنذار عن انتخاب أمانة عامة جديدة مكونة من واحد وعشرين عضوا, موزعين بين الضفة الغربية وقطاع غزة .

بالطبع لم ينعقد الاجتماع بشكل موحد, ولا حتى اجتمع المعنيون من الأعضاء في مقر اتحاد الكتاب بغزة, المغلق أصلا, ليس بسبب حماس, ولكن بسبب نفاذ الوقود, أي النقود, التي لا يتحرك دونها كتاب"أوسلو" منذ عام 1994 حتى اللحظة, وأقتصر الاجتماع على الواحد والعشرين المعلنين كأعضاء أمانة عامة, كما لو انه تم الإعلان عن تعيينهم في الوظيفة العمومية .

الفعل "التشاوري" الوحيد الذي سبق إعلان الأمانة العامة الجديدة هو ما حدث من تداول تنظيمي داخل حركة فتح, سمي "برايميرز" داخلي, لتسمية أعضاء فتح في الأمانة العامة, ثم أضيف إليهم بعض المحسوبين على فصائل أخرى, وكفى الله المؤمنين شر القتال.

لم يحدث مؤتمر ولا بأي شكل, فلم تدعى العضوية العامة, ولم يتم التدقيق في النصاب, ولم يعلن على العضوية العامة أو حتى على الملأ, لا موعد انعقاد "المؤتمر" ولا الوثائق التي يفترض أن يناقشها, كما لم يفتح باب الترشح لعضوية الأمانة العامة, التي تمت زيادة عضويتها من 18الى 21, هكذا بفعل فاعل خفي .

وفي غزة حيث هناك اتحاد للكتاب يتبع حركة حماس, أي أن الإعلان عن انعقاد "مؤتمر" لاتحاد كتاب باسم قائمة الوحدة الوطنية دون حماس والجهاد الإسلامي, ومع وجود اتحاد في قطاع غزة, يعتبر تكريسا للانقسام, تماما كما فعل انعقاد المجلس الوطني قبل شهرين, هذا الهدف يبدو هو الدافع إلى الإعلان عن أمانة عامة جديدة وعن وجود اتحاد كتاب في هذه اللحظة وبهذا الشكل وهذه الطريقة المفاجئة, إضافة إلى هدف آخر, له طبيعة انقلابية, وهي سحب المفتاح أو طرد الأمين العام السابق من منصبه, دون مواجهته ومحاسبته .

كان" مؤتمر" اتحاد الكتاب في الدورة السابقة انعقد بمثل هذه الطريقة البهلوانية, أي بترتيب تنظيمي قام به مفوض التعبئة والتنظيم في حركة فتح, وأسفر عن تسمية أعضاء أمانة عامة, تقاتلوا لاحقا فيما بينهم على "فتات الموائد", إلى أن احتفظ الأمين العام بالصندوق وأغلقه "بالضبة والمفتاح" وظل يقاتل ليل نهار من أجل الميزانية الخاصة المدفوعة من مالية السلطة, بما ينزع الصفة النقابية عن الهيكل المتداعي, ثم تحول الاتحاد خلال نحو عقد من السنين إلى مفتاح وختم, وضعهما الأمين العام السابق في جيبه, وتجول بهما أنحاء العواصم العربية, يظفر ببدل المهمات, ويقوم بتوزيع الأوسمة والعطايا على من أغلقوا الأفواه من كتاب أو مستكتبين .

لم يسأل "العرس الوطني" الذي أنعقد أمس عما فعله الأمين العام السابق بالمال العام, أو عن الذي فعله هو وأمانته للعضوية العامة, ولم يحاسب أحد على أي شيء, بل لم يناقش أي أمر من هذا القبيل لا تقارير العمل السابق ولا خطط أو برامج الفترة القادمة, فلا المجلس الوطني ولا المركزي ولا الاجتماعات عادت مناسبات للجدل أو الحوار أو المساءلة, بل كلها صارت مناسبات للمجاملة أو حتى لإظهار التوافق أو تقديم دلائل الطاعة والولاء للسلطان الوطني, الذي اختزلت به وله السلطة الوطنية !

لكن الأمانة تفرض علينا القول بأن الإعلان عن الأمانة العامة الجديدة, اختلف هذه المرة عن التوليفة السابقة التي أظهرت بشكل رسمي, أو مقنن عن التمييز الجغرافي وعن التبعية الفصائلية, فخلال الدورات السابقة كان "المحفل الوطني" يصر على أن يكون رئيس الاتحاد (صار لاحقا أمينا عاما, ربما احتذاء بحذو الفصائل) فتحاويا, حتى لو كان أقل قيمة وقامة من آخرين مستقلين أو محسوبين على فصائل أخرى غير فتح, وعلى أن يكون من الضفة الغربية, وكانت الهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب منذ عام 1994 المكونة من 15 عضوا, توزع على قاعدة الأغلبية  بواقع 9 من الضفة الغربية, والأقلية بواقع 6 من قطاع غزة, وعلى أن يكون الرئيس حصرا من الضفة الغربية, ثم خصص لاحقا منصب نائب الرئيس لقطاع غزة !

وهذا بمجمله دال على وعي متهالك لدى الكتاب بعد أن تحولوا إلى دمى بيد الحركية ومفوضية التعبئة والتنظيم, أي بعد أن تحول المبدع إلى تابع للبيروقراطي الحكومي, وهو الذي بشّر بالثورة, وانطلق بها, وحافظ على الهوية الوطنية وخاض معركتها مع العدو الصهيوني مباشرة, وبالسلاح الأبيض, حين خرجت ظاهرة شعراء المقاومة مطلع ستينيات القرن الماضي من معطف الصراع المباشر بين شعبنا في مناطق 48 والعدو, ثم صار في سبعينيات القرن الماضي مع تشكيل الاتحاد العام وتولية الميلشيات الثقافية زمام أمر الاتحاد, عام 72 الكاتب التابع للفصيل, أو الكاتب الفدائي المقاتل, ثم كاتب السلطة أو كاتب أوسلو, والآن تحول إلى متسول تماما, يلتقط ما تبقى من فتات الموائد الفقيرة .

لكن الحق يقال بأن ما أعلن عنه مختلف قليلا عما حدث في المرة السابقة, ففي المرة السابقة تم الإعلان عن الأمين العام كمنتخب من المؤتمر مباشرة, عملا بقاعدة السلطة وفق النظام الرئاسي, أما هذه المرة فلم يكن الأمر كذلك, رغم أن أوساط الفتحاويين الجهويين تقول بأن من حاز على أعلى أصوات البرايمريز الفتحاوي هو الذي سيكون الأمين العام أو رئيس الاتحاد, وما هي إلا لحظة وتظهر حقيقة الأمر, حيث لن تخرج النتيجة عن أن يكون الرئيس فتحاويا ومن الضفة الغربية, وسيتواصل العمل بقاعدة "فتح تقود والفصائل ملاحق", ثم بعض من الوقت, ويحتفظ رئيس الاتحاد الجديد بمحاكاته للرئيس السابق فيحتفظ بالصندوق في جيبه ويغلق عليه بالقفل والمفتاح, ثم يبدأ رحلة ابن بطوطة, منطلقا كما يشاء, فما دام باب بيت مخلوعا فلا يلومن احد أحدا على سرقة ماله العام أو تمثيله ولا عن شل فاعليته .