مذكرات : رحلة إنسان ( فصل جديد )


آخر تحديث: July 2, 2018, 9:43 pm


أحوال البلاد
بقلم: بقلم منال بوشتاتي

 الله يكون في عونك تكتبين رغم قلة القراء هكذا وصلتني رسالته ! ولهذا سأوضح لماذا أجدني كلما انقطعت عن الكتابة إلا وعدت لها بسرعة ذلك يبقى حسب اللحظة التي تأتيني فيها موجة الأفكار وبين الواحدة والأخرى أكون في صراع  ، شديد فتارة تجذبني إلى الخلف وأحيانا تدفعني إلى الأمام لذلك لا أختار الصنف الذي سأكتب فيه ،ولا أعطي في البداية لكتابتي تسمية معينة إلا بعد طرحها تحت أشعة الشمس على شاطئ الواقع وأترك جلها في مقبرة مجهولة ، فأدقق فيها لأجد أن النوع الأولى ينتمي لصنف الخاطرة لأن أمواجها تدفقت من عمق الوجدان وهذه مذكرات غزيرة أمطرت دموعها على أرض الواقعوهذه رواية حلقت في فضاء الخيال كعصفور شهد على معاناة البشرية وأوجاعها فرأى طفلا يتيما يتوسد الأرض الخشنة ويرتجف من شدة البرد وصادف في طريقه عذاب الفقراءهذا العصفور رأى أشياء كثيرة فوجد أن الحب كذبة والبؤساء حقيقة وجد أن الطعام هو أقصى أحلامهم لأن لا وقت لهم للأحلام بالحب والرفاهية والاستمتاع بالعطلة الصيفية ، بل حرموا حتى من متعة المطالعة فإذا سألت مسكينا وقلت له ماذا تفضل قراءة كتاب أم قطعة خبز ؟ سيجيبك قائلا بصوت تعيس أريد خبزا وسيستدل بالحكمة الشهيرة حين يمتلئ البطن يقول للرأس غني !كيف سيملأ عقله بالأفكار وبطنه فارغ هل يقتطع ثمن الكتاب من فاتورة الكراء أم الكهرباء أم الماء ؟ هو يختلف عن الفئة البعيدة عن ثقافة القراءة لكنه لا يستطيع أن يغامر بدراهيمه المعدودة لكي يشتري كتابا يغذي بعلومه عقله فبطنه الحزين يصرخ من شدة الجوع والألم ! وفي الجهة المقابلة مرضى يتألمون في صمت ولا أحد يشعر بجراحاتهم الخفية كم هو باهظ ثمن العلاج أيها المساكين !كل هذه الرحلة شاهدها عصفور الخيال فحولها إلى أغنية حزينة وهكذا يحلق عصفوري المتفائل في فضائه المألوف وحين يحط حقيبته يصطدم بالواقع فيرجع ، وفي ملفه حكاية فيها أشياء من الفرح والحزن والبسمة والإخلاص والخيانة والصداقة والزور والصبر والاجتهاد إلخ من ظواهر هذا المجتمع الواسع بالقضايا الإنسانية لكني أحتفظ برواياتي في مقبرة تستضيف أرواح شخصيات لا تظهر للأعين لأنها لو ظلت على قيد حياتها سيقتلها التجاهل في مسابقات اللا إبداع ، لأنها لا تتغنى بجسد المرأة وسيناريو العشق الكاذب وإذا اهتموا بها في غرف المنتديات سيدعي كل واحد منهم أنها من تأليفه لأنها أشبه بأرض غير محفوظة في العقار فلم أملك من ذلك سوى حرق معظمها ودفن البقيةفتركت الومضات الخفيفة ومقالات الرأي منتشرة على المواقع الالكترونية وإذا سألني الإنسان أين أجد نفسي أكثر سأجيبه أنني أميل بلا شعور إلى صنف الرواية ولا أنتبه لذلك إلا حين أعود إلى مراجعة أوراقي المبعثرة فأكتشف نفسي في بحرها العميق دونما تفكير هل سيكون هناك ثمة قارئ أو ناقد ! أما مقالات الرأي فهي تختلف عن طبيعة الرواية والخاطرة والمذكرات فالفئة الأولى تفيض بلا موعد بينما المقالة فهي تأتي مسبقا من الإرادة الحرة والوعي فأفكر في الظاهرة التي سأناقشها فأختار الموضوع الذي سيحرك إحساسي ويبقى استدلالي بالحجج عن طريق العقل الباطني كونه يحتفظ بالمعلومات المقروءة لذلك لا أستطيع منع نفسي عن الكتابة سواء كانت في صنف الرواية والخاطرة أم في ورق المقال لأن الثانية هي الأخرى مسبوقة برغبة شديدة تتحدد حسب قول اسبينوزا من قبل الطبيعة ،ونحن كما شرح اسبينوزا قد نعي رغباتنا لكننا لا نعي الأسباب المحددة لهذه الرغبات .وبخصوص قلة القراء لم تعد هذه المسألة تقلقني لأنني من قبل حين كنت أعاتب لم أكن أبحث عن الشهرة ولا أخص بعتابي ذاك أصدقاء الفيسبوك بل كنت أوجه عتابي الخفيف لأحبائي في الله جل المقربين والأصدقاء كنت أسألهم بكثرة ما أحبهم عن سبب هذا التجاهل وتفضيل أقلام الغرباء على قلمي ! هل ذاك يرجع إلى هفواتي اللاشعورية أم هناك أشياء لا أدركها أو لعل كتابتي لا تروقهم مثل كتابة الآخرين ؟ فأكرر سؤالي وكلما كررته إلا وزاد العناد والمقاطعة .ماذا عن وعود صديقاتي قبل سنوات هل كانت كلها كذبة ؟ ألم تقل صديقتي بعدما سردت على مسامعها رواية مارتا التائهة أنها ستكون بعد شهرتي أول قارئة ! ألم تعدني بشراء كل رواياتي من المكتبة ؟ هاهي الآن تصادف كتابتي على الفيسبوك وتقابلها بالتجاهل ! قلت في نفسي التمسي لها العذر يا منال ربما لا تصادف منشوراتك فعدت وطلبت منها ذات يوم أن تعطيني رأيها في نصي الجديد لكنها هربت مني بتغيير الموضوع وفي حوار آخر خانتها زلة لسانها وقالت إنها تقرأ أحيانا كتابتي فأدركت أنها لا تروقها أو ربما لم تعد تعزني أو ربما حرض عقلها ضدي أحدهم في جميع الأحوال تركت لها ولغيرها حرية الاختيار إذ لا يمكن أبدا فرض نفسي على أحد وخاصة عندما جاء على لسان أحدهم قائلا لماذا سنقرأ لها ؟ ماذا تكتب لكي نقرأ ؟ هي تعبر عن خربشات هزيلة وأحيانا تنثر الوجع والأنين ماذا نستفيد منها هي فقط مجرد إنسانة تكتب رأيها في زمن الفيسبوك راجت كلمات كثيرة خلف ظهري ولم تترك أثرا سلبيا في حياتي رغم أنها جرحت مشاعري في الوهلة الأولى .وبعد كلامي هذا أظن أنني وضحت لمن يتساءل عن سبب استمراري في الكتابة هنا على الفيسبوك والمنتديات وأحيانا المجلات حيث أشرت في تقريري السابق إلى أهمية القراءة المتأملة فعارضت إحداهن كلامي موضحة أني لست مفكرة أو فيلسوفة ، لتحظى كتابتي بتأملات دقيقة هكذا تخيلت كلامي اعتقدته يدعو القراء إلى تأمل كتابتي كوني فيلسوفة ولم يكن هذا هو قصدي كل ما أردت قوله هو أن التأمل بقدر ما يجعلنا نستخرج عذب الكلمات لنستمتع بجمالها ونروي عطشنا من مياهها الباردة بمقدار ما نفحص جسم النص ونحلل في تحاليل الدراسة الفيروسات المنتشرة من أجل تصحيحها حتى لا تضلل الجمهور الناشئ ،ولعلنا نتذكر ما قال سقراط إن حياة لا توضع موضع التأمل لا تستحق أن تستمر .رأيه يصب في الصواب ولعلنا نتأمل كل الأشياء المحسوسة والمرئية لنتذوق عذوبتها ونصحح شوائبها إذا استطعنا وتذكروا أن الأحمق يحمل أحيانا في خطابه حقائق كثيرة لكنها تضيع وسط كلامه المبعثر ، إذ تجده يرددها بشكل يومي ويركز على فلان موضحا أنه فعل كذا وكذا غير لا أحد يصدق كلامه في حين لو انتبهنا إلى الجملة التي يرددها ، دائما سنكتشف أن هناك سرا تسبب في جنونه أو ربما اكتشف شيئا بعد اضطرابه العقلي فراح يسرده لكنه سرعان ما يمزقه بعبارة أخرى تافهة