عدمية نظام عباس السياسية


آخر تحديث: July 2, 2018, 9:42 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

مسئولو السلطة المركزية في رام الله, كذلك الناطقون باسم حركة فتح/عباس وبعض قياديها يتصرفون ويعلنون عن مواقف تجاه قطاع غزة وتجاه حركة حماس, وأحيانا تجاه أكثر من ملف سياسي خاص بالشأن الفلسطيني, كما لو كانوا يمثلون "المعارضة" التي تجلس خارج مقاعد الحكم, وتظل تطالب من بيده القرار, أن يفعل كذا ولا يفعل كذا, وينسون بالطبع أنهم يفترض فيهم أنهم يمثلون القيادة التي يفترض فيها بدورها أنها المسئولة عن المشروع الوطني, وأنهم يمثلون السلطة المسئولة عن الأحوال المعيشية لنحو نصف الشعب الفلسطيني المرابط على أرضه المحتلة في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة .

وفي الحقيقة فأن معظم الموازين قد انقلبت رأسا على عقب في عهد "ولاية" محمود عباس, الذي هو أصلا ورغم انتسابه لحركة فتح ورغم عضويته للجنة التنفيذية ل م ت ف منذ وقت مبكر, إلا أنه لم يكن يوما واحدا من الصف القيادي الأول, ولم يتحل بالمسؤولية عن شيء مهم_ قطاع تنظيمي أو عسكري أو سياسي لا في حركة فتح ولا في م ت ف _ إلى أن شارك في كواليس أوسلو, ومن ثم انزوى جانبا أو عاد للكواليس, بعد تأسيس السلطة إلى أن زجت به الأوساط الأمريكية/الإسرائيلية ليزاحم ياسر عرفات على القيادة وعلى السلطة, حين قادت ضغطا تم بموجبه استحداث منصب رئيس الحكومة, الذي كان برأينا مدخلا مباشرا للانقسام, حين تولته حماس بشخص إسماعيل هنية عام 2006, أي بعد ثلاث سنوات فقط من استحداث المنصب وتولي محمود عباس مسؤوليته كأول رئيس للوزراء !

ثلاثة عشر عاما ومحمود عباس في الموقع الأول من القيادة والمسؤولية, ولم يتقدم الحال الفلسطيني بشيء إلى الأمام, بل على العكس من ذلك تماما, شهد عهده حدوث أسوأ انقسام داخلي, ما زال عاجزا عن وضع حد له, وفي الحقيقة برغم كل ما يقوله قادة السلطة وحتى قادة حركة فتح, من أن مسؤولية الانقسام تقع على عاتق حركة حماس, إلا أننا نعتقد عكس ذلك تماما, فحركة حماس أولا وأخيرا وقبل كل شيء, ما زالت حركة تحسب على المعارضة, وحركة ليست مسئولة عن المشروع الوطني, وإذا كانت قد ذهبت إلى الانقسام, فإن وضع الحد لها وإنهاء الانقسام بهذه الطريقة أو تلك إنما هو مسؤولية ومهمة قيادة وسلطة عباس .

لذا فان خطاب سلطة ذلك الرجل, ولغة رجاله يجب أن تكون مختلفة تماما, ذلك انه لو ذهبت حماس حتى إلى ارتكاب الخطأ السياسي, فان مهمة التصويب تقع على عاتق القيادة المسئولة, وإلا لماذا هي قيادة وسلطة ومسئولة ؟ !

ليس من الصواب أن يفترض صانعو أو منتجو خطاب السلطة السياسي, أن تظل حماس تتجنب الحوار مع إسرائيل, وليس من المجدي, استمرار القول بعدم جواز التحدث باسم قطاع غزة, أو البحث له عن حلول سياسية أو إنسانية دون رام الله, ما دامت رام الله تمارس "الحرد السياسي" وتطالب بكل شيء ولا تقوم باحتواء الآخرين, أي لا تتصرف كسلطة مسئولة, وقد سبق لهذه السلطة, قبل أن تكون سلطة, وهي ما زالت في قيادة م ت ف, وكحركة فتح, وبالمناسبة في ظل معارضة معظم فصائل العمل الوطني, وحتى نصف حركة فتح, أن خاضت حوارا سياسيا وسريا مع الحكومة الإسرائيلية, والذي أفضى إلى اتفاق مرحلي, في أحسن أحواله كان يحلم بدولة على حدود 67, اعتبرها الكثير في حينها, بأنها تنازل عن نحو 80% من فلسطين التاريخية حين أقدمت على الاعتراف بإسرائيل دون أقامة الدولة الفلسطينية, وما زالت هذه القيادة ترفض الإعلان عن حل السلطة, كل هذا رغم أن برنامج النقاط العشر, يتحدث عن إقامة الدولة المستقلة على أي جزء من الوطن يتم تحريره .

قطاع غزة الآن شبه محرر, فما الذي يمنع من إعلان دولة فلسطين عليه ومن جانب واحد حتى, أما الاستمرار في امتطاء ظهر الشعار وعدم الأخذ بعين الاعتبار التحولات الإقليمية والكونية فما هو إلا مضيعة للوقت وما هو إلا فتح لبوابة الفراغ السياسي, وكل من يتابع يدرك الآن بان عباس قد أوصل  الحالة الفلسطينية إلى حالة من العجز السياسي, فحين يرفض أن يشارك في الحوارات واللقاءات السياسية الإقليمية خاصة تلك التي لها علاقة بالملف الفلسطيني, فان ذلك لا يعني بان عجلة السياسة قد توقفت, أو أن حلا لن يمر دون موافقته !

انعدام قدرة قيادة وسلطة عباس على التأثير في الواقع السياسي بكل مكوناته ومستوياته قد أوصل رجاله إلى حالة من الهلع والفوضى والى استخدام لغة "الجعير السياسي" أو ما كانوا يطلقون عليه وصف العدمية السياسية ويسمون به خصومهم من قادة الفصائل الأخرى, مع كل ذلك نقول, بان عملية إنقاذ ما يمكن إنقاذه ما زالت ممكنة, لكن ذلك ليس شرطا بان تكون العملية مرتبطة بقيادة محمود عباس, لا قيادة م ت ف ولا حكومة سلطة الحكم الذاتي .

بل على العكس, يبدو أن عملية الإنقاذ تشترط أو تتطلب أولا أخراج كل هذا الطاقم العدمي, البيروقراطي, إلى خارج دائرة القرار السياسي الوطني أولا, ومن ثم محاولة رص الصفوف, في أطار أو في ظل قيادة مسئولة, لا تتصرف كمعارضة ولا بأي شكل من الأشكال, فالقيادة المسئولة لا تعاقب شعبها بأية حجة كانت, ولا تقصي نصف قدرة شعبها التنظيمية من دائرة اتخاذ القرار, لأي سبب, والقيادة المسئولة تحرص دائما على الوحدة الوطنية, ليس بالمناشدة أو بالقول, ولكن بالفعل, وحتى أنها تتصرف كما يقول المثل "اللي بعمل كبير بوسع باب داره", لكن ثوب عباس السياسي يبدو انه من الأصل كان ضيقا, لذا سارع إلى نبذ حماس والجهاد, ثم توالت علمية تضييق الثوب حتى تم نبذ كبار فتح نفسها, وحتى لم يعد حول الرجل سوى الصغار ممن يطلقون عبارات لا معنى ولا أهمية ولا قيمة ولا ضرورة لها, من مثل "فوضناك" !.

أيا يكن من أمر وبغض النظر عن المآل الصعب الذي وصلت إليه القضية الوطنية في عهد ثنائية عباس/حماس, فان الشعب الفلسطيني قادر على إطلاق مرحلة جديدة كما فعل أكثر من مرة من قبل .