ليكن سلاحنا الإبداع


آخر تحديث: June 30, 2018, 11:42 am


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

من الطبيعي جدا أن تخشى إسرائيل أقامة الدولة الفلسطينية المستقلة, لأن دولة فلسطينية حتى لو كانت منزوعة السلاح, ستكون مثل شجرة الزيتون تمتد عميقا في تربة هذه البلاد, ومن ثم ستظل بظلها كل العاشقين وكل الزهور التي ستنبت دون خوف أو وجل, من عاتيات الريح أو من قصف الأيادي الخشنة, وستظل دولة فلسطين كل ما هو جميل وأصيل وكل فراشات وزهور, شبان وصبايا هذه البقعة من الدنيا, التي ما هي إلا قطعة من السماء وضعها الله على الأرض بهدوء وروية, ثم أطلق فيها من روحه أبهى ما منحه للبشرية من بركاته وعطاياه, لتكون فلسطين هي أرض الرسالات وأرض السلام .

دولة فلسطين ستكون ثمرة العدالة وبركة السماء, لذا ستكون دون شك أو ريب نقيض "الدولة" التي لم تكن إلا ثمرة الكراهية وما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية, وإلا امتدادا للحرب الباردة, "الدولة" التي قامت على الاغتصاب والقتل والتشريد, وما زالت تعيش كما لو كانت مصاص الدماء, لا تعيش إلا على جثث الآخرين, فلسطين إنما هي نقيض إسرائيل, وإذا كانت إسرائيل لا تعيش إلا كدولة مدججة بالسلاح, ففلسطين تعيش مع الحب والإبداع وكل ما في هذه الحياة من قيم نبيلة .

ولعل فلسطين التي تمنعت على التلاشي, منذ أن أطلق شعراؤها الأناشيد, يقابلون الرصاص بالغناء, ويصدون الحاكم العسكري حين يفرض عليهم الإقامة الجبرية بالشعر, بحث كتب محمود درويش في مطلع شبابه ولم يتعد الثامنة عشرة من عمره بعد, وكان منتسبا حينها للحزب الشيوعي, في مواجهة أمر إثبات الحضور اليومي في مركز الشرطة : سجل أنا عربي, لتتحول القصيدة إلى نشيد وطني, وما بين سجل أنا عربي, وعابرون في كلام عابر, كانت إسرائيل التي إنما هي دولة من "زجاج" ترتعد فرائصها من حروف الغناء الوطني, فتعتبر "عابرون في كلام عابر" تحريضا, وسببا لمنع الشاعر من زيارة مسقط رأسه !

سيظل الفلسطينيون يحتفظون في ذاكرتهم وفي سجل تاريخهم الحديث أن حركتهم الوطنية التي نقلت الكيانية الفلسطينية من دهاليز التلاشي والمصادرة إلى الحضور في التاريخ ومن ثم في الجغرافيا, وإن كان على شكل "حكم ذاتي", للإبداع الأدبي, خاصة الإبداع الشعري,الذي بعث الهوية مجددا بعد بضع سنوات كادت فيها أن تطمس أو تصبح جزءا من الماضي, أنه كان سلاحهم الأمضى في مواجهة العدو الغاشم .

كان حضور الشعر الوطني أولا, وكان شعراء المقاومة, ثم كان الفدائيون, وحين خاض الفدائيون الحروب الشجاعة عسكريا وسياسيا ضد جيش دولة ثمرة الشيطان, كان شعر المقاومة يصدح عاليا, ويصير عالميا, فيترجم ويتردد صداه في كل مكان, في العالم العربي, وحيث يوجد بشر أحرار في هذا العالم بأسره , فيترجم إلى عشرات اللغات العالمية .

وارتبط الإبداع الفلسطيني بحركة التحرر, ولم يقتصر الإبداع على المنجز الشعري وحسب, أي على شعر المقاومة, بل أن المقاومة الفلسطينية لأنها تعبر عن شعب مبدع, أهدافه نبيلة, وقضيته إنما هي قضية عادلة, كانت سببا في ظهور البوستر والسينما والمسرح, وكله كان إبداعا إنسانيا مفعما بالحض على تحقيق العدالة وعلى الانتماء لجانب الخير من البشر .

لا يمكن القول, إلا أنه مع ظهور الكيانية المعنوية أو الكيانية السياسية لفلسطين, أي م ت ف, قد ظهر الإبداع الفلسطيني, معرّفا أولا, أي منتميا إلى فلسطين, وليس إلى هوية أو إلى دولة أو كيانية أخرى, ثم كان لتجسيد تلك الكيانية المعنوية على الأرض وإن كان على شكل "حكم ذاتي" أي على شكل "ناقص دولة", فإنه مجرد أن صار للفلسطينيين بيت, حتى بدأت مظاهر الإبداع الجماعي أو المؤسساتي في الظهور والتحقق بل والتفوق .

الشعب الفلسطيني الذي يبدع في ابتكار أشكال الكفاح, من الحجر إلى المقلاع, إلى الدهس باستخدام السيارات, إلى الطعن بالسكاكين, ثم بإطلاق الطائرات الورقية, وحتى عبر الصلاة في باحات المسجد الأقصى, كذلك المقاومة بالأذان, كان وصار مبدعا في كل شيء, ومتميزا ومتفوقا في كل حقول الإبداع الأدبي والفني .

كنا نقول بأن الشعب الفلسطيني يتفوق في الإبداع الشعري, لأن الشعر ابن لحظة التوتر, ويستجيب بسرعة للحالة الانفعالية, فيما الكتابة الروائية والمسرحية تنتجها عادة المدن, وحالة الاستقرار, كذلك فإن الشعب الفلسطيني, ينشد الشعر, وحين يدخل حقل الغناء فإنه يدخله من بوابة الفولكلور والتراث الشعبي, لكنه ومع كل ما قيل عن كيان الحكم الذاتي وما يمكن أن يقال عنه, فقد جعل هذا الكيان للشعب الفلسطيني عنوانا أولا وإطارا موحدا ثانيا, فصار المبدع من الضفة والقطاع ومناطق ال 48 وحتى من الشتات والخارج ينتسبون جميعا إلى دولة فلسطين .

لا يمكن النظر إلى ما ظهر من تفوق في حقل الإبداع الفني والأدبي,حين فاز ثلاثة فلسطينيون بمسابقة "أراب أيدول" , وحين فاز أكثر من فلسطيني بجوائز البوكر والكاتارا العربية, إلا على أنه دليل على أن الشعب الفلسطيني, بعد إنشاء السلطة الوطنية صار يقاوم أيضا بالأدب والفن, ولعمري فإن "إسرائيل" وهي دولة الشيطان والكراهية, مهزومة دون ريب أو شك في حقل العواطف والمشاعر  والعدالة الإنسانية, أي حقل الأدب والفن, لذا فإننا ندعو بكل وضوح وصراحة إلى أن يطلق شعبنا مواهبه الفنية والأدبية إلى أبعد مدى, وأن ينتج مقابل كل دبابة إسرائيلية ومقابل كل طائرة حربية إسرائيلية, صاروخ وبندقية وحتى قنبلة نووية إسرائيلية, أغنية أو قصيدة, رواية أو لوحة  أو مسرحية, أو أن يطلق فيلما سينمائيا, ومقابل كل ما تدعو له دولة الشيطان من حقد وكراهية أن ندعو نحن إلى الحب والتعايش والعدالة والمساواة بين البشر, خاصة على هذه الأرض التي ولدنا فيها وعشنا على ترابها, وأن نطلق الطائرات الورقية والبلالين الملونة وحتى أن نوقد الشموع, ونملأ جبال ووديان وتراب بلادنا بالزهور وأشجار العنب والزيتون والبرتقال, ولا ندعو إلا للمحبة والسلام, وان يظل سلاحنا هو الأبداع دائما وأبدا  .