بين حانا ومانا ضاع أقصانا


آخر تحديث: June 26, 2018, 12:19 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

في الموضوع الداخلي, لا يمكن توجيه اللوم إلا على طرفي الانقسام في غزة ورام الله, وحتى لو كانت هنالك جهات, وهنالك جهات فعلا, لها مصلحة في الانقسام, وكانت قد دفعت الحال المحلي إليه ومن ثم حرصت على بقائه واستمراره, فأن جل اللوم يقع على عاتق طرفي المعادلة الداخلية, أي نظامي الحكم بغزة وبالضفة وكل من حركتي حماس وفتح اللتين يستند إليهما نظاما حكم الانقسام .

وإذا كانت حركتا فتح وحماس تحوزان معظم التأثير على الحالة السياسية الفلسطينية , بل وحتى على الشارع والجمهور الفلسطيني, فإن قيادتيهما المتوغلتين في طرفي نظام حكم الانقسام, تقودانهما وبالتالي الكل الوطني الفلسطيني إلى الدمار الداخلي, وإلى العجز عن مواجهة الاحتلال الخارجي, وقد تأكد هذا على مدار أكثر من عشر سنوات مضت .

المهم أنه ورغم اتضاح استحالة أن يحقق أحدهما وحده شيئا على صعيد الانجاز السياسي, هنا أو هناك, إلا أن استمرار الحال على واقع الانقسام, جعلهما يفوزان بوصف حانا ومانا بجدارة واستحقاق, وبين حانا ومانا ضاعت لحانا كما يقول المثل, أي ضاع أغلى ما نملك, ونحن أغلى ما لدينا هو وطننا فلسطين ودرة فلسطين هي القدس وتاج القدس هو المسجد الأقصى.

راهنت حركة فتح ومعها السلطة وخاصة رئيسها الحالي محمود عباس ومنذ أكثر من ربع قرن على المفاوضات وعلى الحل السياسي, ورغم أنه شخصيا قد أعلن بأن أبواب الحل السياسي عبر التفاوض باتت موصدة, ورغم أنه بعد فشل استمرار مراهنته على التفاوض بالرعاية الأمريكية عقودا, راهن أو بحث عن بديل, إن كان الأمم المتحدة, أو الاتحاد الأوروبي, أو حتى روسيا أو الصين, إلا أنه وإزاء فشل تلك البدائل أيضا, يراهن على الكفاح القانوني عبر منظمات أو مؤسسات الأمم المتحدة, كل ذلك من أجل إن يتجنب الطريق المستقيم وهو أقصر الطرق لإنهاء الاحتلال, ونعني به إنهاء الانقسام أولا ومن ثم إطلاق الكفاح والمقاومة بكل الأشكال ضد الاحتلال, بما في ذلك الكفاح المسلح, كما حدث في الانتفاضة الثانية التي أطلقها ياسر عرفات بعد فشل كامب ديفيد عام 2000 .

وراهنت حماس على سفن كسر الحصار وعلى التضامن الدولي الذي اختزل لاحقا بالتركي وعلى الدعم العربي الذي انحصر في القطري, كما راهنت أولا على العمليات الاستشهادية داخل الخط الأخضر, ثم على الصواريخ فالأنفاق, وحين وصلت المصالحة إلى الطريق المسدود, أطلقت مسيرة العودة, التي بلغت ذروتها في منتصف أيار, وكانت حماس تعلن عن استمرارها عبر محطة الخامس من حزيران, لتتلاشى وتتوقف موجات الحراك الشعبي والجماهيري, لتنتهي هذه الأيام بإطلاق الطائرات الورقية وحسب .

نضال عبر أروقة الأمم المتحدة, وكفاح باستخدام الطائرات الورقية, هناك كفاح يمارسه أو يقتصر على نخبة الاحتراف السياسي, وهنا كفاح أشبه ما يكون بلعبة الأطفال, التي تستهدف كما يفعل الذباب عادة, إزعاج إسرائيل بحرق حقول القمح المحاذية لحدود غزة, ولا شيء آخر .

كلا نظامي الحكم في غزة ورام الله, تمخض جملهما عن فأر, يهدف إلى إزعاج إسرائيل وحسب, ولا يقوى على ممارسة الكفاح من أجل إزالة الاحتلال, بإلحاق الخسائر البشرية والاقتصادية والسياسية به في كل مكان يوجد فيه, لذا فهما باتا أشبه بخيال "المآتة " لا أكثر ولا أقل .

تسمح إسرائيل للسلطة في الضفة الغربية بأن تعقد اجتماعات المجلس الوطني والمركزي وحتى اجتماعات مركزية فتح ومؤتمراتها وكذلك اجتماعات الحكومة, ولو كانت تدرك بأن أيا من تلك الاجتماعات يمكن أن يشكل خطرا حقيقيا على احتلالها لمنعته دون شك, بل ودون تردد, ولو حتى باستخدام الحيل من نمط عدم منح تصاريح الدخول للمشاركين من خارج الضفة, سواء كانوا من غزة آو من خارج فلسطين, بل حتى كانت قد استخدمت الحواجز التي تقطع أوصال الضفة الغربية لمنع عقد تلك الاجتماعات, ولو كانت السلطة مشروع دولة مستقلة لا تريدها إسرائيل لقامت هي بحل السلطة, ولم تنتظر قيادة م ت ف أن تفعل ذلك, ومن يدري ربما يجيء وقت أو لحظة وتفعل هذا, في لحظة ما, خاصة لو حدث متغير في قيادة السلطة, كان من نتيجته تولي قيادة وطنية تؤمن بالكفاح متعدد الأشكال, الكفاح الحقيقي ضد الاحتلال .

أما مسيرة حماس في غزة فقد انتهت بفتح معبر رفح, فقد لوحظ بوضوح بأن المعبر ظل مفتوحا طوال شهر رمضان ثم بإعلان مصر عن استمرار فتحه حتى عيد الأضحى, أي حتى شهرين قادمين, وهذا يعني  بأن إغلاق المعبر لم يكن بسبب الحالة الأمنية في سيناء وحسب, بل كانت لإغلاقه علاقة بالظروف السياسية وأهمها علاقة حماس بمصر, وفعالية إنهاء الانقسام .

المهم أنه قد تأكد بعد عشر سنين عجاف بأن حركتي حماس بغزة وفتح/المقاطعة, ليستا حركتين تقودان الشعب الفلسطيني على طريق الأنعتاق من الاحتلال, بل أشبه ما تكونان الآن بحزبي سلطة تنشئان كيانين سياسيين خاضعين لإسرائيل ومنفصلين, لذا فقد بات مستقبل فلسطين بين يدي الشعب الفلسطيني, الذي عليه أولا أن ينتفض من أجل نزع مصيره ومستقبله من بين يدي سلطتي الانقسام, وإلا فإن الاحتلال الأسرائيلي سيبقى زمنا طويلا, ومن يدري, ربما يضطر الشعب بعد وقت أن يجد نفسه في ممر إجباري أو طريق لا طريق آخر سواه, وهو الإقرار بالأمر الواقع أولا, ومن ثم الكفاح من أجل تحسينه, إن كان ذلك من خلال الكفاح من أجل حقوق مواطنة متساوية في دولة إسرائيل, أو من أجل تحسين شروط أو ظروف الحكم الذاتي المحلي في الضفة الغربية, أو فقط من أجل أقامة حكم ديمقراطي وإجراء انتخابات في غزة . هذا إذا لم يجد نفسه بعد وقت في ظل حالة "داعشية" هنا أو في حالة صوملة للضفة الغربية, أي مواجهة قوات عصابية لا قانون لها هناك, واستبداد هنا, وكما كان الحال دائما, من لا يقبل بما يقدم له اليوم دون كفاح من اجل فرض ما يريد, سيجد نفسه يطالب غدا بما قدم له اليوم دون أن يناله !