قد تكون الكونفدرالية هي الحل


آخر تحديث: June 21, 2018, 6:13 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

بالمقارنة مع السياسة الخارجية الأمريكية, خاصة في الشرق الأوسط, طالما اعتبر المراقبون بأن السياسة الخارجية البريطانية, أكثر دهاء وحنكة, حين كانت بريطانيا العظمى تحتل مكانة أمريكا ما قبل الحرب العالمية الثانية لجهة السيطرة على العديد من مناطق العالم, حيث كانت بريطانيا تحقق أهدافها بدرجة من "الحكمة" بما لا يقارن مع ما تبديه دائما السياسة الخارجية الأمريكية من صلف وعنجهية, وربما يعود السبب في ذلك إلى نشأة تكوين الدولة, فبريطانيا دولة تظل عريقة من حيث النشأة والتكوين, فيما الولايات المتحدة نشأت بعد اكتشاف العالم الجديد على أيدي المغامرين من قرصان البحار الأوروبيين وفي مقدمتهم الانجليز .

نسوق هذا الكلام للتذكير بأن بريطانيا, كانت تترك "هامشا ما" للحكام المحليين, حتى وهي تطبق سيطرتها على العديد من مناطق العالم, وكانت تمنح بعض الدول "استقلالا شكليا" لتنزع روح التحدي وشدة المطالبة بالاستقلال, وهي مثلا وحين انتصرت الثورة الروسية وقامت بكشف مخطط سايكس/بيكو, حيث تبين خذلان بريطانيا ونكوصها للوعد الذي كانت قد قطعته للشريف حسين بن علي, قامت باسترضائه بمنح ابنه فيصل الأول حين رفضت فرنسا توليه الملك في سوريا, بأن ولته على العراق, ومن ثم تولية ابنه الثاني عبد الله الأول أمارة شرق الأردن, مقابل أن يبقى الرجلان ومعهما العراق وشرق الأردن ضمن حلفاء التاج البريطاني في الشرق الأوسط .

ومن المفارقات أيضا أن مصر التي كانت تخضع للنفوذ البريطاني أيضا, كانت مملكة مستقلة, لكن مع وجود عسكري ونفوذ بريطاني داخل القصر الملكي إضافة للسيطرة على قناة السويس, الأمر الذي ظل حتى جاءت ثورة العام 1952, لتحرر مصر من النفوذ البريطاني ومن ثم تقوم بتأميم قناة السويس . نقول من المفارقات كان مسمى الملك فاروق ملكا على مصر والسودان, مع أن مصر كانت تخضع للنفوذ البريطاني, فيما السودان كان يخضع لحكم مركب بريطاني/مصري, حتى قام عبد الناصر بأجراء الاستفتاء في السودان على البقاء ضمن الدولة المصرية أو الاستقلال التام, فكانت المفارقة أن اختار الشعب السوداني الاستقلال عن مصر وهي في عز أوج وهج الثورة الناصرية !

لعل هذه الصورة المركبة قد خطرت ببالنا ونحن نتمعن فيما تطالب به السلطة الفلسطينية المركزية في رام الله من "تمكين" لها في قطاع غزة, لتقبل بإنهاء الانقسام, وهي سلطة حكم ذاتي, خاضعة سياسيا واقتصاديا وفعليا للحكم الإسرائيلي, وبهذا فإن حكومة رام الله تريد أن تحضر إلى غزة على صورة الملك فاروق حين كان يحكم مصر والسودان, وهو نفسه حكم خاضع بالإطار العام للحكم البريطاني .

الغريب هو أن الوجود الأسرائيلي في قطاع غزة, أقل منه في الضفة الغربية, فحيث هو احتلال واضح وصريح وداخلي في الضفة فإنه في غزة خارجي, يتحكم بسبب اتفاقيات أوسلو, وبسبب وجود سلطة الحكم الذاتي ومسماها الرسمي كسلطة لقطاع غزة ومناطق أ في الضفة الغربية بحركة قطاع غزة الخارجية واتصالها بالخارج, ويمنع عنها صفة الدولة أو الكيان المستقيل, ويمنع اتصالها الطبيعي بالضفة الغربية, أي أن أسوأ ما يمكن أن ينجم عن "تمكين" حكومة سلطة الحكم الذاتي منقوصة السيادة, بل والتي يوجد فوقها حكم إسرائيلي, هو أن يتم فرض نظام الحكم الذاتي على قطاع غزة الذي أمامه فرصه الأنعتاق بشكل تام وكامل ونهائي من الاحتلال والتحكم بل والحكم الأسرائيلي .

لذا فإن "تمكين" حكومة سلطة الحكم الذاتي, يعيد عمليا وفعليا الحكم الأسرائيلي الذي هو الآن خارجي إلى داخل قطاع غزة, خاصة فيما يخص الملف الأمني, ولعل أقل جهد بإعمال العقل يؤكد هذا الاستنتاج من خلال التزام أجهزة امن سلطة الحكم الذاتي بالتنسيق الأمني مع إسرائيل, لذا فإن إعادة سيطرة أو "تمكين" هذه الأجهزة من الحالة الأمنية في قطاع غزة, مع وجود قوى عسكرية تشكل رادعا إلى حد ما للقوة العسكرية الإسرائيلية, يعني أن يحقق "التمكين" هدفا ورغبة إسرائيلية, والأمر ليس مجرد شكل سيادي كما يدعي رجال سلطة الحكم الذاتي, بمن فيهم الرئيس نفسه, حين يقولون أو يطالبون بتمكين حكومتهم من غزة بالكامل .

هم يقبلون شراكة الاحتلال بل أن يكونوا سلطة تحت سلطة الاحتلال خاصة في الجانب الأمني, ويقبلون أن "يحكموا" أمنيا الضفة الغربية مع وجود حواجز وقوات الاحتلال في كل مكان, ولا يقبلوا أن يحكموا قطاع غزة مع وجود قوات المقاومة التابعة لكل فصائل العمل الوطني !

لقد قلنا أكثر من مرة, وبشكل جريء واستشرافي ومنذ عام 2007, أي منذ حدوث الانقسام مباشرة, بضرورة أن نفكر بالحل الكونفدرالي, بين حركتي أو حكمي حماس في قطاع غزة وفتح في الضفة الغربية, لأننا كنا ندرك بأن ملف إنهاء الانقسام ليس ملفا سهلا, ولن يتم حله سريعا, بل قد لا يتم حله أبدا, وأن واقعة الانقسام لم تكن "زلة قدم" أو خطأ سياسيا عابرا, وأن الكونفدرالية تعني حكما داخليا, خاصة على المستوى الأمني, مع وحدة خارجية, أي مع سلطة موحدة تجاه الخارج, لكن أحدا لم يستمع إلينا, لأن الناس كانت تظن بأن إنهاء الانقسام وراء الباب, تماما كما لم يفكر الكل الوطني بإعلان الدولة الفلسطينية في قطاع غزة بعد أيلول عام 2005, من جانب واحد, وإسقاط أوسلو, وإطلاق حركة التحرر في الضفة الغربية, وما زلنا نقول الآن, مع تبدد شعاع الأمل بإنهاء الانقسام, بأن إعلان الوحدة الكونفدرالية بين غزة والضفة هو أمر بات ضروريا, لأن استمرار الانقسام يكرس حالة الشلل على صعيد مقاومة الاحتلال هنا وهناك, والكونفدرالية تتجاوز كل الملفات التي ظلت عقبة في طريق المصالحة, وهي أصلا حالة يمكن أن تأخذ طريقها في أطار م ت ف, وفي الأمتار الأخيرة قبل فرض الحل الإقليمي لابد من فتح الباب أمام مناقشة هذا الحل على الأقل, لأنه قد يكون حلا, وإن كان ليس بالضرورة أن يكون هو الحل أو هو الحل الوحيد, بمعنى أنه الحل الواقعي وأهون الشرين, نقول ذلك خشية أن يحدث معنا تجاه شعار الوحدة الوطنية ما حدث مع العرب تجاه شعار الوحدة العربية !