من المنارة للسرايا: جهاز القمع الدوار


آخر تحديث: June 19, 2018, 1:41 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

لم تمض سوى أيام قليلة, على إقدام أجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية, على قمع التظاهرة المدنية التي خرجت لنصرة أهل غزة والمطالبة بالتراجع عن الإجراءات العقابية في دوار المنارة, حتى كانت أجهزة حماس الأمنية تمارس فعل القمع أيضا بحق المشاركين في التظاهرة المطالبة بنفس مطالب شقيقتها في منارة رام الله .

من منارة رام الله إلى سرايا غزة, وكأن الجهاز هو ذاته, والدكتاتور هو ذاته, وهما في الحقيقة تلميذا السجان الأسرائيلي, الواحد, وإن كانا هما أثنين . تدل على ذلك قسوة القمع وشدته, كذلك منظومة الحكم والقمع, التي أهم ما يميزها أمران : أولهما هو الادعاء, فحكم حماس يدعي أنه يتكيء على عضد مقدس, هو المقاومة, كذلك حكم عباس يدعي انه يستند إلى الشرعية الوطنية, ويدّعي نظاما الأمر الواقع المحلي المستبد أنهما يواجهان إسرائيل . أما الأمر الثاني فهو إغلاق الأبواب تماما أمام كل مظهر من مظاهر الحياة الديمقراطية, وكلاهما أدارا الظهر للانتخابات العامة, ولا يذكرانها لا بقليل أو بكثير, والأهم هو أن احد مظاهر الاستبداد تظهر في مواجهة الإعلام المحلي .

لا بد من القول بكل صراحة وبكل مرارة بأن وجود منظومتي حكم في الضفة الغربية وفي قطاع غزة محليتان, تقومان بإحكام قبضة الاستبداد متمثلة بأجهزة أمن السلطة هناك وأمن السلطة هنا, وذلك في الهامش الصغير والتافه من السلطة الذي تتركه لهما إسرائيل أصلا, فسلطة الحكم الذاتي في الضفة الغربية, نفسها محكومة بالقانون العسكري الأسرائيلي وأدوات تنفيذه بما فيها الشاباك, وسلطة حماس محكومة بما تفرضه عليها إسرائيل من حصار, لا تقوى لا هي ولا كل حلفائها على مر السنين من اجتيازه, كما أن كلا السلطتين تعرفان حدودهما جيدا حين يتعلق الأمر بإسرائيل, أما حين يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني فإن التطاول هو ما تقومان به, والتجاوز وممارسة القمع بقسوة وبكل شدة .

لا بد من القول بأن وجود سلطتي حكم عباس وحماس, واستمرارهما أكثر من أحد عشر عاما, كسلطتي حكم تمارسان القمع للشعب الفلسطيني بالنيابة عن إسرائيل, إنما يعني بان أمل الحرية والاستقلال إنما هو أمل بعيد جدا عن التحقق, وأن الشعب الفلسطيني أذا ما أراد أن يتحرر من الاحتلال الأسرائيلي وأن يقيم دولة وطنية خاصة به, فعليه أن يضمن سلفا ومنذ الآن أن لا تكون محكومة من قبل منظمتي الحكم المجربتين, في كل من غزة ورام الله .

يبدو أن من أمضوا سنوات طويلة في سجون الاحتلال, وتعرضوا لكل أشكال القمع والتعذيب, يقومون الآن بتظهير ما ترسّب في نفوسهم من عذاب على غيرهم من أبناء جلدتهم, بعد أن تعرضوا لعمليات من تزوير الوعي, ولعل استمرار المجتمع الفلسطيني في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة, ومنذ سنين وهو يعيش دون سيادة للقانون المدني, ودون مظاهر الحياة الطبيعية, جعل من كل ما لا يمكن تصوره من قسوة وعنف أمرا ممكنا .

ولعل أسوأ أشكال محاكاة العدو الأسرائيلي, هو أن يندس رجال أمن سلطة الحكم الذاتي بين المتظاهرين في دوار المنارة, بزيهم المدني, وأن يفعل الأمر نفسه رجال أجهزة امن حماس, حين ينسدون بين المواطنين المحتشدين في ساحة السرايا, بالزي المدني بما يذكر بالمستعربين !

وإمعانا في "قلة الحياء" بل وفي السفالة, تنكر سلطة الحكم المحلي هنا أو سلطة الحكم الذاتي هناك, أن أجهزتها هي من قامت بعمليات القمع بحق المتظاهرين السلميين, ارتباطا بهذا الأمر, مع أن ألف باء المنطق يقول بأن حماس تحكم هنا في قطاع غزة, وحكومة رامي الحمد الله تحكم هناك في الضفة الغربية, ولا تهرب شاردة أو واردة من هذه ولا من تلك .

من الطبيعي حين تجلس سلطات على مقاعد الحكم سنينا تجاوزت العشر دون حسيب أو رقيب, ودون مراجعة, بل ودون قانون, أن تتحول السلطة إلى سلطة أمنية, والسلطات الأمنية في كل دول العالم, دون سلطات القضاء والتشريع ودون تراث أخلاقي, لا يمكن إلا أن تتحول إلى أدوات قمع ميليشوي سيئة جدا .

وحين تشعر تلك الأجهزة بالعجز , وبأن "سيدها" الذي تستمد منه وجودها وامتيازاتها, لم يعد راضيا عنها وعليها, أن تحاول إرضاءه بأي شكل, ومن الطبيعي أيضا أن تضيق السلطة الأمنية والسلطة العسكرية ذرعا, بالمنطق المدني بما فيه ممارسة حق التظاهر والاعتراض والاحتجاج السلمي .

من الواضح أيضا, بأن إغلاق الأبواب في وجه المصالحة وإنهاء الانقسام, خاصة بعد الفصل الأخير, إضافة إلى أسباب أخرى منها, أن عهد السلطة المركزية الحالي يوشك على الوصول للنهاية, إن كان بالوفاة الطبيعية لرئيسه, محمود عباس, أو بالوفاة السياسية, ولأن نظام السلطة في عهده تحول إلى نظام حكم الفرد المستبد, فإن غيابه لابد أن يحدث صخبا شديدا, يفتح الأبواب على مصاريعها أمام الصراع على تلك السلطة المحلية أو الذاتية .

لذا فإن حكم حماس بات يتعامل مع قطاع غزة على أنه حكم دائم فيها ولها وعليها, كذلك بات حكم السلطة في الضفة الغربية يتصرف على أنه حكم منفرد, دون شريك, وحكم للضفة الغربية, ولا علاقة له بقطاع غزة, الذي لولا ما يفرضه عليه النظام الدولي والإقليمي وبعض القوى, لرفع يده عنه منذ زمان بعيد .

لذا فإن إغلاق مخيلة الحكم عن فكرة الشراكة, تجعله يظن بأنه بات حكما وحيدا ومطلق الصراح, وأن كل من ليس معه فهو ضده, لذا فإنه كان أمرا غريبا لكنه موحي ودال بشكل جيد, أن يتصرف جهازا الأمن في سرايا غزة ومنارة رام الله التصرف ذاته, وأن يمارسا القمع بنفس الدرجة من الشدة, وفي الوقت ذاته, بما يؤكد أنهما حتى وإن كان أحدهما عدو للآخر, فأنهما كلاهما بات عدوا للشعب الفلسطيني بأسره, بما يؤكد أنهما وجهان لعملة الاستبداد الواحدة, وإن اظهرا أية مظاهر للصراع سابقا, فليس من أجل مصلحة الشعب, بل لأن الصراع بينهما كان على التفرد والانفراد بالسلطة, لا أكثر ولا أقل .