صداع رأس السلطة


آخر تحديث: June 14, 2018, 9:00 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

يمكن القول بكثير من الثقة, بأن السلطة في رام الله, أصبحت أكثر "جرأة " في التطاول على الشعب الفلسطيني, من ذي قبل, فها هي تقوم بتفريق المتظاهرين السلميين, في دوار المنارة برام الله, دون أن يرف لها جفن, بل وتقوم بقمع الصحفيين, وكل من حاول أن يقوم بتصوير الاعتداء على المواطنين عبر هاتفه المحمول .

هذه "الجرأة" الصريحة في الإقدام على القمع, كانت مسجلة حتى هذه اللحظة باسم حركة حماس, التي أظهرت القسوة الشديدة في فرض حكمها وسيطرتها على قطاع غزة عام 2007 وما تلاه من فرض مظاهر ذلك الحكم, متمثلة بطلبنة المجتمع أو دعشنته لاحقا, بما يعني بأن السلطة الفلسطينية مع مرور الوقت الذي تفقد فيه شعبيتها, تزداد حنقا, وأية سلطة في الحقيقة بقدر ما تشعر بحنق الناس وكرههم لها, تشعر بالخوف, فتلجأ للتسلح بأدوات القمع واللجوء إلى تكميم الأفواه .

والحقيقة أن ما تظهره مؤخرا السلطة من مظاهر القسوة والبطش, إنما تبعت جملة من مظاهر الوقاحة متعددة الأشكال, فمنذ عام قامت وتجرأت مطلع نيسان من العام الماضي 2017, على اقتطاع 30% من رواتب موظفي قطاع غزة, ولأن الأمر مرّ مرور الكرام, فقد ازدادت السلطة جرأة على الحق العام, ولولا فاصلة الاتفاق بالقاهرة في تشرين أول 2017, لتابعت تلك السلطة البيروقراطية التي لا تشعر ولا تحس بمعاناة الشعب الذي تتولى مسؤوليته إجراءاتها ضد أهل قطاع غزة .

وبعد سنوات من التطاول على الحقوق الشخصية والحريات العامة, في الضفة الغربية, بحجج أمنية, اقتصرت على خصمها السياسي من كوادر حماس وحتى الجهاد الإسلامي, في سياق تنفيذها لدورها بالتنسيق الأمني مع الاحتلال الأسرائيلي, تحولت حكومة السلطة إلى رأس حربة في تنفيذ مخطط الانقسام, بتتابع إجراءات الدفع بقطاع غزة إلى الهاوية .

الملاحظ هو أنه بعد أن كانت تظهر حركة فتح, ومعها رئاسة السلطة على أنها هي التي تتولى مهمة التصدي لحماس من خلال تولي ملف المصالحة عبر عزام الأحمد, وفي هذا كانت النية في عدم تحقيق المصالحة واضحة, فلو كانت النية صادقة من أجل المصالحة لتمت تولية ملفها لأحد قيادتها من قطاع غزة الذين هم أدرى بشعابها, تظهر الآن حكومة السلطة على أنها هي التي تقوم بالتصدي لمهمة " إنهاء الانقسام" بتجويع غزة من جهة, وقمع مواطني الضفة من جهة أخرى !

لم تعد حكومة رام الله تطيق من يتعاطف من أهل الضفة مع أشقائهم وإخوانهم في قطاع غزة, فماذا يبقى لمثل هذه الحكومة, سوى نعتها بأنها ليست أفضل حالا من روابط القرى, أو من أنها ليست أفضل حالا من إدارة الاحتلال المدنية السابقة على نشوء السلطة ذاتها .

بدأ الكذب وبدأت الوقاحة تأخذ طريقها الفاقع مع اقتراب موعد عقد جلسة المجلس الوطني, حيث أنها كانت قد سبقتها بعدم تحويل فاتورة راتب موظفي قطاع غزة بالكامل, وحيث أنه قد تضمن الحديث من أجل التحضير لذلك المجلس الذي كان عرّابه الأحمد, خاصة مع الجبهتين الشعبية والديمقراطية, ضرورة وقف تلك الإجراءات العقابية, فقد حاول رأس السلطة تمرير مناسبة عقد المجلس الوطني بأقل الخسائر وبث الرماد في عيون بعض "الرفاق" الذين كانوا بحاجة إلى ورقة التوت لتبرير مشاركتهم في تلك الجلسة الانقسامية وغير الضرورية والتي لا هدف منها أو لها, إلا تكريس سلطة تفقد مع مرور الوقت شرعيتها الوطنية بعد أن فقدت شريعتها الشعبية _ الانتخابية  .

وانتظر الناس أسبوعا حتى نزل الراتب للضفة دون غزة, وكان حديث الخلل الفني المضحك, ثم كان إعلان رئيس السلطة نفسه بإصداره القرار بصرف راتب غزة مطلع أيار, أي مع انتهاء أعمال المجلس الوطني, لكن كل ذلك كان كلاما في كلام, الأمر الذي لا يمكن تفسيره إلا بأحد تفسيرين, أولهما أن الرئيس نفسه يراوغ, ويطلق شأنه شأن كل أركان حكمه الكلام على عواهنه لتخدير الموظفين والناس, وحيث أنه ليس للكلام الفارغ من ثمن, فلا ضير من إطلاق الكلام الذي تريده الناس وإن كان كذبا لا يليق برئيس . وثانيهما هو أنه فعلا أصدر القرار, و"تجرأت" الحكومة على عدم تنفيذه, وهذا يطلق حوارا لابد منه وتساؤلات لا حصر لها حول الرأس القيادي للسلطة الذي يبدو أنه يعاني من الصداع منذ تطور مرض الرئيس وحيث لم يعد يظهر طول شهر ونصف, أي منذ انتهاء أعمال المجلس الوطني .

كأن المجلس الوطني كان بمثابة مجلس الوصاية على العرش, أو أنه كان مجلس تسيير إدارة شؤون السلطة إلى حين الإعلان رسميا عن وفاة الرئيس, وأن حرب الوراثة قد بدأت فعلا بين جملة من الطامحين, إن كان من قيادات فتح, أو من قيادات السلطة السياسية والأمنية .

ولأن جميع هؤلاء الطامحين يعلمون بأن خيوط السلطة كلها مربوطة بالأصابع الإسرائيلية, نراهم يتسابقون على إعلان وإظهار أدلة الولاء والطاعة لإسرائيل, وليس هناك أفضل من قطاع غزة, لإظهار العين الحمراء له والقسوة في التعامل معه, خاصة وأنه يطلق مسيرة العودة التي أزعجت إسرائيل كثيرا, وأسقطت حساباتها التي تتعامل مع الحالة الفلسطينية على أنها في جيبها الخلفية !

إن ضعف قبضة محمود عباس, قد أطلقت عشرات القبضات الحديدية من رجالات السلطة, بحيث تظهر الحكومة على أنها وريث المنظمة, وعلى أن م ت ف وحركة فتح, ما دامتا تقبضان مصاريفهما من السلطة, فهما تابعتان لها وليس العكس, وهكذا فإن ثقافة دونالد ترامب وإسرائيل, الخاصة باعتبار من بيده المال بيده الحل والربط, فقد تجرأت الحكومة كثيرا على م ت ف أولا وعلى حركة فتح ثانيا, ثم على الشعب في قطاع غزة وفي الضفة معا, بعد أن فقد قيادته في مواجهة حكومة سلطة بيروقراطية لا علاقة لها بإرث أو تراث الكفاح الوطني, لتتحول إلى سلطة "كرزاي" في فلسطين, تحكم بما يريده الحاكم الفعلي, وهو هنا الاحتلال الأسرائيلي .