غزة وحيفا وحّدتا فلسطين

غزة وحيفا وحّدتا فلسطين


آخر تحديث: June 13, 2018, 3:24 pm


أحوال البلاد
بقلم: الياس سحاب

لا شك في أن نسبة عالية من أبناء الأجيال الجديدة التي ولدت في أوروبا وشتى أنحاء العالم غير العربي، وغير الإسلامي، من الذين ولدوا في السنوات الثلاثين الأخيرة، قد أصيبت بحيرة أمام قراءتها في هذا العام عن حلول الذكرى السبعين لتأسيس دويلة «إسرائيل»، خاصة إذا ما طالعها في موقع آخر للقراءة والاطلاع، تعبير آخر هو «الذكرى السبعين للنكبة». فمنها من يعتقد إن «إسرائيل» دولة كانت موجودة منذ مطلع التاريخ، شأنها في ذلك شأن مصر وفرنسا وانجلترا، أو ألمانيا، وسواها من دول العالم، ومنهم من لم يفهم وجود تعبير «الذكرى السبعين للنكبة» إلى جانب الذكرى السبعين لاستقلال إسرائيل»، فهما يعتبران مختلفان إلى حد التناقض.

لكن حيرة هذه الأجيال ترتفع إلى مستوى الدهشة والتعجب، إذا ما أتيح لها أن تقرأ لو سطوراً قليلة عن ذلك التلاحم الذي ظهر فجأة بين مدينة غزة ومدينة حيفا. فالأولى، حسب رأيه ومعلوماته وما حشوا به عقله، هي قطاع جغرافي يقع جنوب «إسرائيل» وشمال مصر، خاضع لمنظمات إرهابية مثل «حماس»، والجهاد الإسلامي»، أما الثانية فهي ميناء بحري جميل يقع في شمال دويلة «إسرائيل»، تندفعان في حالة تلاحم وجداني وسياسي وعاطفي إلى درجة التصرف كمدينة واحدة، بل كشارع واحد، خاصة منذ حلول شهر مايو/ أيار، وشهر حزيران/ يونيو.

لكن حقيقة الأمر تدفعنا الى الاعتقاد أن هذه الحيرة، وهذه الدهشة لم تصب فقط الأجيال الجديدة في شتى أنحاء أوروبا وسائر بلاد الدنيا، بل أصابت أيضاً بعضاً من أبناء الأجيال الجديدة في بعض البلاد العربية، الذين إن عرف بعضهم بالصدفة أن كلاً من مدينتي غزة وحيفا، كانتا قبل العام 1948، من القرن العشرين الماضي، تنتميان إلى شمال وجنوب بلد عربي واحد، كان اسمه فلسطين، قبل أن تحتله قوات يهودية اجتمعت عليه على مدى عشرات السنوات من جميع أرجاء العالم، واستغلت فرصة قيام منظمة الأمم المتحدة بإصدار قرار بتقسيم فلسطين في العام 1947 لكن هذه النسبة - ربما غير الضئيلة من الأجيال العربية الجديدة - تعرف ذلك، لكنها تعتقد أنه مذاك لم يعد هناك علاقة البتة بين مدينة اسمها غزة، ومدينة أخرى اسمها حيفا، فالأولى أصبحت ضائعة تبحث عن جنسية لم تشفق بها عليها حتى اليوم، المنظمة الدولية للأمم المتحدة التي تمثل المجتمع الدولي، بعد أن تناساها أبناء الأمة العربية، بتقادم الزمن، وبارتفاع أمواج الأحداث الجسيمة- والثانية حيفا (أصبحت) ميناء مزدهراً، ومدينة بالغة الجمال على أعتاب جبل الكرمل الذي أصبح يتبع بلاداً اخترعت في العام 1948 اسمها «إسرائيل»، وحلت محل الاسم التاريخي منذ الآف السنين، الذي كان يعرف بـ»فلسطين». ذلك خاصة منذ أن تقسم شعب فلسطين (عن بعض من أبناء الجيل العربي الجديد) بين أبناء العام 1948، وأبناء غزة، وأبناء الضفة الغربية لنهر الأردن، وأبناء بقية الشتات الفلسطيني في شتى أرجاء الوطن العربي، وشتى أرجاء العالم.

كل هذا حدث في الشهرين الأخيرين من تلك العلاقة المرتفعة الحرارة والحيوية بين أبناء مدينة غزة، المنتفضة في مسيرات العودة الكبرى إلى كامل أرجاء فلسطين، بمناسبة الذكرى السبعين لنكبة احتلال فلسطين وتقسيمها، وأبناء مدينة حيفا الذين حملوا غصباً عنهم منذ العام 1948 الجنسية «الإسرائيلية»، لكنهم ما زالوا كاملي الإنتماء العميق إلى شعبهم العربي الفلسطيني في شتى أرجاء العالم، وإلى أمتهم العربية، فيما بين المحيط والخليج، كأن أحداث العام 1948 من القرن الماضي، وأحداث العام 1967، من القرن الماضي أيضاَ، لم تقع. وإذا وقعت، كما تقول كتب التاريخ السياسي الحديث، فإنما هي شكلت مجرد السطح العابر الذي يطفو كقشرة رقيقة لتغطي صخور التاريخ والجغرافيا في هذه المنطقة من العالم، والتي تقول إن غزة هي مدينة في جنوب فلسطين العربية، وحيفا هي ميناء جميل في شمال فلسطين العربية نفسها.

ومن لا يصدق ذلك بعد، فما عليه سوى مراجعة ما حدث في هذين الشهرين الأخيرين، من تطابق سياسي ووجداني وعاطفي، بين مسيرات العودة الكبرى في غزة على حدود الأراضي المحتلة منذ العام 1948، وذلك التجاوب الكامل الذي حدث في حيفا، كأنه نسخة طبق الأصل عن مسيرات العودة في غزة.

هذا الحدث الذي رأيناه بأم العين منقولاً على شاشات التلفزيون، هو الذي يحدد مستقبل الأحداث المهمة في هذه المنطقة من العالم، وليس ما يقرره الرئيس الأمريكي ترامب الذي ستنتهي مدة ولايته السياسية بعد ثلاث سنوات ليس أكثر.

فغزة في الجنوب، وحيفا في الشمال، أعادتا توحيد فلسطين رغم كل شيء.

 

عن جريدة "الخليج" الإماراتية