العراق تحاصره المخاطر

العراق تحاصره المخاطر


آخر تحديث: June 13, 2018, 2:48 pm


أحوال البلاد
بقلم: صادق ناشر

الحريق الذي التهم فجأة أحد أكبر مراكز صناديق الاقتراع في بغداد، يمكن أن يزج بالعراق في دوامة جديدة من العنف والفوضى، إذا لم يتم التدارك بإجراءات جريئة تتصدى للمزاعم الواردة عن تزوير واسع في الانتخابات التي جرت الشهر الماضي، وما زالت نتائجها لم تحسم بشكل النهائي.

من المؤكد أن الجسد العراقي المثخن بالحروب والإرهاب والأجندات الطائفية والتدخلات الإقليمية لن يقوى مجدداً على تحمل مزيد من الخراب والدماء جراء سنوات طويلة من الضياع والانهيار الواسع في شتى المجالات. ورغم ذلك، هناك من يراهن على الذهاب بعيداً في استنزاف هذا البلد وهدم ما تبقى فيه من حياة. ومثلما قالت السلطات، فإن حريق صناديق الاقتراع كان متعمداً، وهدفه تأجيج حرب أهلية واسعة، فالخاسرون في الانتخابات لا يؤمنون بخسارتهم ويعتبرونها «تزويراً»، والفائزون معتزون بما حققوه، وسيرون أي إلغاء للعملية «انقلاباً على إرادة الناخبين» واستهانة بأصواتهم وبالتضحيات المختلفة التي بذلت لإنجاح استحقاق يوم 12 مايو الماضي بالنظر إلى حجم التهديدات الماثلة آنذاك من تنظيم «داعش» الإرهابي ومن بعض الأطراف السياسية الداخلية، ومن الدسائس الإقليمية المتوارية خلف لافتات كثيرة.

أخطر المواقف وردت على لسان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، حين دعا العراقيين إلى الوحدة وحذّر من حرب أهلية قد تؤدي إليها الأوضاع، بينما تتخوف أوساط عدة من أزمة دستورية في ظل عدم حسم مصير الانتخابات. فالبرلمان الحالي تنتهي ولايته في الثلاثين من الشهر الجاري، وسيتم التمديد له إذا تعذر تثبيت البرلمان الجديد. والحديث عن «التمديد» بحد ذاته أزمة، لأنه سيؤدي إلى إلغاء نتائج الانتخابات وإحداث فراغ ستملؤه المخاطر ما لا تحمد عقباه. وإذا تم الوصول إلى هذه المرحلة، سيحقق المنزعجون من نتائج اقتراع مايو أحد أهدافهم، وهو الرهان على انتخابات جديدة. وفي هذا المنعرج يكمن الخطر، حيث ستعمل الكتل الفائزة ومنها «سائرون» الصدرية للدفاع عن فوزها التاريخي، وسينضم إليها الرازحون لسنوات تحت القهر والتهميش والإجراءات الطائفية. ورغم حث مقتدى الصدر جميع الأطراف على الالتزام بوحدة البلاد والكلمة وتجنب ما يعكر صفو الأمن، إلا أن بعض الأطراف، منها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وحزبه، لا ترتاح لنتائج ستغير المشهد العراقي وستضع كثيراً من الأسماء في مهب النسيان لتلقى موضعها الصحيح في التاريخ، خصوصاً أولئك الذين خذلوا العراق وباعوه وجلبوا إليه الاحتلال الأمريكي والطائفية الإيرانية والتوغلات العسكرية التركية ودمروا حضارته وساهموا بأفعالهم المشينة في تشريد شعبه وتفكيك وحدته الوطنية.

من السابق لأوانه التكهن بمسار الأحداث في العراق بعد حريق صناديق الاقتراع والسجال الدائر حول الانتخابات، ولكن ذلك لا يمنع الخشية على هذا البلد، الذي، مهما تغيرت أنظمته وتبدلت أهواؤها، يظل في جوهره عربياً أصيلاً وأحد أعمدة المنطقة من النواحي الحضارية والسياسية والأمنية. ومن يخشى من عودة العراق لن يتوانى عن حياكة «مؤامرة» أخرى وفرضها على هذا البلد ليستمر نزيفه خدمة للأجندات الإقليمية المشبوهة، وعلى العراقيين أن ينتبهوا وألا يضيعوا بلدهم كما ضيعوه بعد الاحتلال الأمريكي وقبله.

 

عن جريدة "الخليج" الإماراتية