الاحتجاجات الشعبية توحّد هموم الأمن العربي وتحدياته


آخر تحديث: June 13, 2018, 2:37 pm


أحوال البلاد
بقلم: موسى برهومة

الاحتجاجات الشعبية التي تفجرت في الأردن، جاءت مترافقة، بدرجة أقل من الشدّة، مع مناطق عدة في العالم العربي تعاني من انسداد الآفاق ووصول المواطنين إلى درجة العجز الاقتصادي واليأس النفسي.

وقد كنا حذرنا غيرَ مرة (انظر مقالنا في «الحياة»: ربيع الخبز العربي- الإثنين 15 كانون الثاني/ يناير 2018) من عودة «الربيع العربي» في هيئة انفجارات لا يعلم أحد مداها، هدفها الحفاظ على الحد الأدنى من شروط العيش الكريم في دول مضى على وجودها عشرات العقود، ترافقت مع مئات الأحلام المجهضة.

المحتجون، الذين ملأوا الشوارع والميادين في الأردن، كانوا من الشباب الذين يعبّرون عن آمال نظرائهم في غالبية الدول العربية التي تعاني من البطالة والفساد واحتكار السلطة والمناصب، وسيادة منطق الشركة في إدارة الدولة، واستثمار مواردها.

وضْعُ الأردنيين ليس أفضل حالاً من المصريين واللبنانيين والسودانيين والجزائريين والمغاربة، فضلاً عن المناطق «المنكوبة» في غزة والعراق واليمن وسورية. ويأمل المرء في هذه القنطرة الملتبسة من الزمن العربي ألا تتسع قائمة المنكوبين، لأنّ النكبة والنكسة والمأساة والأمل الشحيح أضحت جزءاً أساسياً من يوميات العربي المكتظ بالأحزان والخيبات والعذابات المتجدّدة.

حسناً، فعلت الدول الخليجية: السعودية والإمارات والكويت، إذ دعت إلى «مؤتمر مكة» لمساعدة الأردن على الخروج من أزمته الخانقة التي إن استمرت فيصبح دولة مفلسة (الديْن الأردني العام حاجز الثمانية والثلاثين بليون دولار، أي ما يعادل أكثر من خمسة وتسعين بالمائة من الناتج الإجمالي المحلي)، وربما دولة فاشلة بالمعنى الاصطلاحي للدول التي تكون «ذات حكومة مركزية ضعيفة أو غير فعالة، ولا تملك إلا القليل من السيطرة على جزء كبير من أراضيها»، وهو ما يعني في المآلات الأخيرة انفجار خزّان مضغوط من العنف والاحتقان واليأس في شكل مدمّر، لا يرضى به أحد، والأهم أنه لا ينبغي أن يسمح لبلد عربي له ميزته الاستثنائية كالأردن، أن يصل إلى هذا المصير.

يـــدرك المرء أن أحوال دول الخليج لم تعــــد كمـــا كانت من قبل، فالأزمات الاقتصادية والسياسية والعسكرية استنزفت، وما تزال، خزائن تلك الدول وأرهقت ميزانياتها، وما انفك شبح الركود يحوم في سماءاتها، ما يعني أنّ حجم المساعدات قد يتأثر بسبب ذلك. لكنّ الأكيد أنّ السلم الأهلي بمعناه العربي الشامل هو ضمانة لمستقبل سائر الدول العربية بلا استثناء، لا سيما في ظل الاستقطابات الدولية الجامحة الاختراق هذا البلد أو سواه بذريعة المساعدة والإنقاذ إلى آخر الشعارات التي صارت ومألوفة، ظاهرها الإسناد وباطنها الهيمنة، لا سيما أنّ نسبة من النخب الأردنية تتبنى خيار إبدال تحالفات المملكة مع الخليج، والتوجه نحو إيران وتركيا، وسواهما.

ومن أكثر المشاريع العاجلة التي يمكن استعادتها في هذه المآزق التي تحيط بغالبية الدول العربية، هو «مشروع مارشال عربي» يعمل على إنقاذ الاقتصاديات العربية ويقوم على التكافلية بين الدول الغنية والأخرى التي تكابد من أجل البقاء. وقد كانت هذه التجربة بعد الحرب العالمية الثانية خيرَ السبل لإنقاذ اقتصادات أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وخشية لحاق هذا الدول بالمعسكر السوفييتي آنذاك.

وإن شئنا المقابلة، فإنّ خنق «الربيع العربي» وإجهاضه قاد غالبية البلاد العربية إلى حالة من الكساد والفقر والبطالة وتراجع المداخيل، وكأنّ حرباً مدمرة لحقت بها. وكيلا يكون الشارع العربي نهباً للخطابات المتشددة من «داعش» و «القاعدة» والإسلامويين، وجب استلهام تجربة مشروع مارشال والذي أعلنه في 5 حزيران (يونيو) عام 1947، وزير الخارجية الأميركي الجنرال جورج مارشال.

لن نقول، كما يحلو دائماً لهواة الإنشاء، إنّ التاريخ يعيد نفسه، لكنّ التجارب في التاريخ تتشابه، وتلهم واحدتها الأخرى. فلولا مشروع مارشال، لظلت الدول الأوروبية عاجزة لعقود عن الوقوف على قدميها، ولابتلعها الاتحاد السوفياتي المنتصر في الحرب وهازم النازية، ومحطّم أحلام هتلر. وإذا لم تتداعَ الدول المقتدرة لإسناد الاقتصادات العربية المتهاوية، فإنّ مستقبلاً مظلماً سيحيق بالعالم العربي، وربما بالعالم بأسره.

 

  • كاتب وأكاديمي أردني

عن جريدة "الحياة" اللندنية