سألتُكِ يا صخرةَ...

سألتُكِ يا صخرةَ...


آخر تحديث: June 11, 2018, 6:20 pm


أحوال البلاد

انطلقتُ أجوبُ شوارعَ حيّها القديم .. أعلمُ أنها فكرةٌ سخيفةٌ نوعاً ما .. و لكنني أردتٌ ذلك بشدة ، ربما لتتخلد ذكراها في الذاكرة طالما حييت .. مع أنّها لا تحتاج لمساعدة أحدهم لتتخلد .. و لكن يبقى الحبّ يعزفُ على أوتارِ الحنين لتلك الأيام ..
و جلستُ على صخرةٍ كانت قريبةً من بيتك ، كنتُ كلما أتيتُ لأجلس عليها أجدُ قطاً أسوداً يقفُ بجانبها .. لطالما أردتُ الكشفَ عن سرّ هذا القط مع هذه الصخرة ، و عندما عجزتُ في نهاية الأمر .. أعطيته سبباً كسببي ، شباكُ غرفتك السبب .. منتظرين أن تطلي علينا بلوزتيكِ .. و كنتِ تعلمين تماماً موعد قدومي اليوميّ و جلوسي منتظرك على تلك الصخرة ، و لكنك تتعمدين التأخر ، و عندما سألتك عن السبب .. قلتِ لي :
= ربما لأعلمَ مقدارَ حبَّكَ لي ..
= و هل يُقاسُ الحبّ بالانتظار ؟!
= و هل مللتَ بهذه السرعة ؟
= لا تُحوِّري الأمورَ كما يحلو لكِ يا طفلتي ..
وقفتِ منتفضة و ضربتني على كتفي و قلتِ :
= لستُ طفلة .. لستُ طفلةً يا أحمق ..
ضحكتُ و أجلستكِ ثمّ قلت :
= أحبُّكِ طفلتي ..
قلتِ غاضبة قبل أن تذهبي :
= أكرهك يا أحمق ..
و ذهبتِ .. و استمر غضبُك عليّ أياماً كنتُ كمن يمشي مترنحاً على الصراطِ المستقيم .. لا يعلمُ إن كان من أهلِ البيت أو من أهل الحجيم .. 
و خرجتِ بعد أيامِ شقاءٍ معذبتي .. ابتسمتُ لكِ ، فألقيتِ بدلو ماءٍ باردٍ عليّ و أخرجتِ لي لسانك ، و أنا مازلتُ تحتَ وقعِ صدمتي .. أفقتُ و ضحكتُ عليكِ ثمّ بصوتٍ عالٍ صرخت :
= يالكِ من طفلةٍ جبانة !
نظرتُ بعدها إلى ثيابي .. و قلتُ في ذاتي : لا بأس بالماء كخطوةٍ أولى .. على الأقل خفف من ثورة اشتياقي للوزتيكِ ...
توقفت هنا أفكاري على صوتِ بائع الورد و هو ينادي :
= وردٌ من البستان
لحبيبك الولهان
للشكر و العرفان
يشفي هوى الصديان
نظرَ تُجاهي و ابتسم .. ثمّ بخطواتٍ بطيئة تقدم نحوي و قال :
= تفضل يا سيد .. أَهدِها لزوجتك علّها تعيد الحبّ لمجراه الأساسي ..
ابتسمتُ له و قلت و أنا أتناول الوردة منه :
= و من قال أنّ حبي لا يسيرُ في طريقه .. هو أنقى من أن يسيرَ في الطرقات يا عزيزي .. مكانه الوحيد التحليقُ في السماء ...
و دفعتُ ثمنَ الوردةِ و انتقلتُ إلى ماضيِّ الجميل ..
كنتُ لأول مرةٍ أفعلها .. تسلقتُ جدار منزل ذاك العجوز جاركِ ، قطفتُ وردةً حمراء كخديكِ ، و انتقلتُ مسروراً بها إليكِ .. لم ألحظْ أنّ ذاك العجوز قد انتبه لي و كان قد ابتسمَ لما فعلت ...
عدتُ بعد يومين إلى منزل ذاك العجوز و سرقتُ وردةً أخرى كالسابقة .. و ما إن التفتُ للفرار بها حتى وجدتُ العجوزَ واقفاً بالمرصاد .. ارتبكتُ .. لم أدرِ ماذا أقول أو ماذا أفعل ..
= لقد كنتُ ...
ابتسمَ و قال :
= تقطفُ لها الورد من هنا ..
= اعذرني أرجوك ..
ربتَ على كتفي ثمّ قطفَ وردةً أخرى و ابتسم ثمّ مدها لي ..
= في المرة القادمة اطرق الباب .. لا داعي لحركات العاشق السارق هذه ..
ابتسمتُ له و ذهبت ...
ولفتَ انتباهي مجيأَ قطٍ رماديٍّ إلى تلكَ الصخرة .. وبدأ ذاك القطّ بمسحِ فروة شعره في قدميّ .. ابتسمت و حملته بين يديّ و بدأتُ أمسحُ على شعره و أحدثه : 
= ما الذي جاء بكَ إلى هنا .. 
و نظرتُ إلى شباكِ غرفتك القديمة .. التي تسكنها الآن غيرك .. 
= هل هيَ هناك .. 
و ضحكتُ و قلتُ له : 
= كنتُ أسيرُ معها ذاتَ يومٍ في هذا الطريق .. أمازحها و أغضبها .. ثمّ توقفتُ فجأة عن السير لحظة .. فقالتْ باستغراب :
= هل قلتُ شيئاً خاطئاً .. لمَ توقفت ؟؟
نظرتُ إلى الصخرة ثمّ إليها و انفجرتُ ضاحكاً .. قالت بغضب :
= ألم أحذرك من أن يأخذَ الاستهتارُ حيِّزاً في عقلك ما إن أتكلم معك ؟!
ابتسمتُ لها و قلت :
= هل تمتلكين قطةً في المنزل ؟
= ماذا ؟؟
= أجيبي فقط ...
نظرت بحيرة و قالتْ :
= نعم .. تيم أخي الصغير يملكُ واحدة .. لماذا ؟؟
= انظري إلى تلك الصخرة ..
نظرت إليها ثمّ التفتت إليّ بابتسامةٍ ماكرة و قالت :
= حسناً .. هذه الصخرة التي أُجلسكَ عليها ساعات ..
قلتُ ببرود :
= أقصد انظري إلى الجالس هناك ..
= قط .. قطٌ أسود .. ماذا تقصد ؟؟
قلتُ بسخرية :
= نعم قطاً أسوداً .. يشعرُ بي أكثر مما تشعرين أنتِ .. يجلسُ معي لساعاتٍ بانتظاركِ يا حمقائيَ الصغيرة ..
ضحكت و التفتت إلى بابِ منزلها .. فناديتها :
= هييه .. زهراء 
التفتت إليّ .. فقلتُ لها :
= اجعلي تيم يُخرجُ قطته المغرورة ما إن تخرجين لي .. مؤسفاً على هذا القط ..
= يا لكَ من أحمقٍ جميل .. 
و ذهبنا كلٌ إلى طريقه .. 
و عدتُ إلى واقعي أنظرُ إلى القطّ الرماديّ و يبدو أنه أحبّ مداعبتي لشعره و حكايتي ..
( يا للحب كم يجعلنا حمقى طرقات ) ..
و تركتُ القطّ على الصخرة .. و ذهبتُ أسابق خطواتي للعودة إلى منزلي .. فتلقاني معذبتي بابتسامتها المعتادة .. فتشفي تعباً كان قد أثقل كاهلي ..