لماذا لا يتم تجويع الضفة أيضا ؟!


آخر تحديث: June 11, 2018, 3:59 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

حتى وإن كانت حركة حماس قد استولت على حكم قطاع غزة بالقوة, وعبر انقلاب عسكري على السلطة, وحتى لو أنها ما زالت تراوغ في ملف المصالحة, بهدف الاحتفاظ ببعض سلطة خفية أو تحت الأرض, أو وراء الكواليس, فما الضرر في أن تحكم السلطة الرسمية فوق الأرض وتحكم حماس تحت الأرض, وأية مشكلة في أن تشارك حماس فتح في السلطة والحكم في قطاع غزة, وفي غير قطاع غزة, فأولا وأخيرا حركة حماس, كما هي حركة فتح, جزء من الشعب الفلسطيني, وهي حركة مقاومة فلسطينية, ولا بد من التفريق بين الفلسطيني والإسرائيلي دائما وأبدا, بل بين الفلسطيني وغير الفلسطيني, أيا كانت الخلافات وأيا كانت الصراعات والمشكلات الداخلية. 
وإن كانت السلطة المركزية أو بعض من أولي الأمر أو الشأن منها, أو بعض من رجال السوء فيها يظنون بأن "تجويع غزة" وقطع الرواتب عنها, وشلّ الخدمات فيها وعنها, يمكن له أن يطلق ثورة شعبية ضد حماس, فإن هذا الخيال المريض يمكنه أن يفكر بنفس المنطق "بتجويع الضفة" لتطلق الثورة المطلوبة, والتي تقف أجهزة الأمن الفلسطينية من بين عوامل وأسباب أخرى أضافية, دون أطلاقها, في وجه وضد الاحتلال الأسرائيلي بحواجزه ومستوطنيه وحتى بمقر السفارة الأمريكية على أرض القدس المحتلة . 
في الحقيقة إن كل أعضاء السلطة المركزية  من وزراء وكبار مسئولين أولا, وأعضاء الصف القيادي في م ت ف من أعضاء اللجنة المركزية والمجلس المركزي, ثانيا, وأعضاء مركزية فتح/المؤتمر السابع وحتى مجلسها الثوري, هم الذين بحاجة إلى التجويع, لعل كروشهم تختفي, ويصير بمقدورهم أن يتحركوا بشيء من الرشاقة, بل وحتى أن يكون بإمكانهم أن يفكروا بعقولهم التي "تخنت" من كثرة أكل الرز واللحم, أو لعلهم يصبحون "مواطنين فلسطينيين" يستحقون شرف الانتماء لأعظم حركة تحرر في العالم اليوم, وفي الحقيقة فإن "ميزانية الرفاهية" الخاصة بالسلطة المركزية هي التي بحاجة إلى تقشف, ولكن السؤال هو من يقوم بهذا العمل الثوري العظيم ؟ !
فتجويع غزة, عمل دنيء وخيانة وطنية, يقوم بها متواطئون مع الاحتلال الأسرائيلي, لا يطيقون رؤية غزة تقاوم إسرائيل, وتعد العدة العسكرية للدفاع عن ما تحقق من انحسار الاحتلال عن جزء من الوطن, ولا يطيقون رؤية غزة, وهي تقتحم الحدود والأسلاك الشائكة, وهم لا ينامون الليل, يفكرون الطريقة التي يقدمون فيها "الخدمة الأمنية" لإسرائيل, حتى يستمر تلقيهم العطايا والهدايا والامتيازات من دولة العدو . 
إن سلطة وهيئات قيادية متماهية مع إسرائيل بشكل كامل أو نسبي, يمكنها بكل سهولة ويسر أن تتخذ القرارات التي تعاقب غزة على مقاومتها وتحديها لإسرائيل, كذلك القيام بكل من شأنه أن يكبل الشعب الفلسطيني في مدن وقرى ومخيمات الضفة, بالشراكة الأمنية مع الاحتلال الأسرائيلي, أما من يقوم بإعادة تصويب السلطة أو أصلاحها, أو تثويرها مجددا, فـنه علينا أن نبحث عنه فينا ومن بيننا, وهذا يعني أننا بحاجة إلى عمل ثوري داخلي, ليس من السهل أن يتحقق فورا أو سريعا.
لكن لابد من رفع الشعار اليوم, ولابد من البدء جديا, بطرح البديل الوطني, الذي يعيد ترتيب الوضع الداخلي, وصولا إلى عكس المعادلة أو قلبها رأسا على عقب, بحيث تكون سلطة الحكم الذاتي هي التي تخضع لسلطة المقاومة وليس العكس, ذلك أنه حين تكون حركة التحرر خاضعة لسلطة حكم ما, فإنها لن ترتفع عن مستوى حركة الاحتجاج التي سقفها إصلاح أو تحسين الوضع القائم, والوضع القائم هنا أنما هو الوضع الأحتلالي, وما دامت السلطة الفلسطينية لم تصبح دولة وهي حكم ذاتي محدود والسلطة العليا هي إسرائيلية فإن الحراك الذي تتسمح به هذه السلطة لا يكون أكثر من التظاهر والاحتجاج وليس المقاومة في أحسن الأحوال .
أما حين تكون السلطة خاضعة لقيادة حركة التحرر فإن الأمر يصبح مختلفا ومعكوسا, تصبح السلطة أداة من أجل تعزيز مظاهر الاستقلال, وتدفع من أجل تمكين الشعب لمزيد من المقاومة لتحقيق الاستقلال الكامل . 
كما يصبح معيار الجلوس في المنصب الحكومي هو التضحية بالخاص من أجل العام, والرصيد الوطني, وليس العكس, كما هو حال حكومات التكنوقراط منذ عام 2007 وحتى الآن ! 
أما الشعب فإنه قد بدأ في التحرك والتململ, فالجميع قد قال كلمته فيما يخص الإجراءات العقابية ضد قطاع غزة, وما زالت السلطة المركزية برأسها القيادي من أعلى الهرم, إلى كل عضو منه, خاصة الحكومة ومركزية فتح/السابع, تمارس الكذب والنفاق, ولا تخجل أبدا, بما يؤكد عدم أهليتها لأن تكون في سدة قيادة شعب مقاوم . 
منذ أن قالت بوجود الخلل الفني مطلع الشهر الماضي, ومنذ أن اتخذ رئيس السلطة نفسه القرار بصرف رواتب موظفي غزة كاملة, ورغم بيان المجلس الوطني, ورغم كل شيء, لذا لا بد من التحرك , ولأن الأمر قد وصل إلى حد لا يطاق فقد بدأت استقالات الشرفاء من فتح في غزة, وبدأت جموع الشعب العظيم في التظاهر في الضفة .
المؤامرة على حرية الشعب الفلسطيني مختلفة هذه المرة, ذلك أن الاحتلال يعتمد كثيرا وبدرجة كبيرة على "دود الخل" على ما تقوم به سلطة "اكسباريد" منتهية الصلاحية وعديمة الأهمية, بل هي معطلة وسيئة, ولابد من إسقاطها من رأس الهرم, وإعادة تشكيلها على أساس وطني/شعبي, غير متوافق مع الاحتلال, أو على الأقل على أساس يبقي على الفاصل الوطني بين ما هو مقاوم وبين ما هو متعاون مع إسرائيل, سلطة وطينة منتخبة, يلتف الشعب حولها, تقوده على طريق الحرية والاستقلال, من خلال انتزاع الحرية والاستقلال من "حبابي عين" إسرائيل, وليس عبر وهم استجدائه منها, ولابد لكل هذا أن يبدأ ترتيبه اليوم اليوم وليس غدا .