بن بيلا وأحمد سعيد.. هكذا ولدت الثورة الجزائرية


آخر تحديث: June 10, 2018, 3:02 pm


أحوال البلاد
بقلم: عبد الله السناوي

دخل شاب وسيم ومجهول لا يعرف أحداً ولا يعرفه أحد إذاعة «صوت العرب» في مقرها القديم.

طلب مقابلة مديرها «أحمد سعيد» متأثراً بدعمها المفتوح لثورة الشعب المغربي ضد الاحتلال الفرنسي، إثر عزل الملك «محمد الخامس». قال إن اسمه «مسعود مزياني»، وقد جاء إلى القاهرة باسم مجموعة من الشبان الجزائريين لكسر حاجز الصمت عن قضية استقلال الجزائر.

بدا متحفظاً في ردوده عن إمكانية اندلاع ثورة في الجزائر مثل ثورة المغرب، ومنضبطاً في حركاته وإيماءاته وقيامه وجلوسه كصاحب خبرة عسكرية، كما استنتج مدير «صوت العرب» في اللقاء الأول.

كان ذلك يوم الأحد (25) أكتوبر/‏تشرين الأول (1953). شاءت أقدار الشاب القادم من خلف البحار أن يحيا دائماً في قلب الخطر، كان هذا اختياره، واختيار جيل جديد من القادة الجزائريين، لم تقنعهم سياسات الأحزاب التقليدية، قرروا أن يخرجوا من اللعبة بأسرها، التي تكاد تضيع هوية الجزائر العربية والأمل في استقلالها، انشقوا عن «حزب الشعب» الذي يتزعمه «مصالي الحاج» بحثاً عن طريق جديد بعد أن تاهت الخطى.

عندما وصل القاهرة لأول مرة كانت مهمته توفير السلاح والمال رهاناً على ثورة «يوليو» لبناء جيش التحرير الجزائري. تحدث عن السلاح المتوافر وأغلبه بنادق صيد إيطالية، ومستويات التدريب الأولية وطلبات محددة يطلبها المجاهدون لإطلاق حرب التحرير.

في مقهى بشارع جانبي متفرع من الموسكي جلس إلى شاب جزائري آخر يدرس بجامعة الأزهر اسمه «بوخروبة محمد» لدقائق معدودة، قبل أن ينصرف كل منهما في طريق.

كانا أهم شخصيتين في التاريخ الجزائري الحديث، وقد تعاقبا على رئاسة بلدهما. أولهما اسمه حركي وعرفه العالم بعد ذلك باسمه الحقيقي: «أحمد بن بيلا»، وثانيهما اسمه حقيقي وعرفه العالم بعد ذلك باسمه الحركي: «هواري بو مدين».

هكذا بدأت «صوت العرب» أعظم معاركها. تحول «صندوق أحمد سعيد» إلى أيقونة الثورة وصوته واصل إلى كل بيوت الصفيح وفوق جبال «الأوراس».

كان يوم الجمعة الثاني من يوليو/‏تموز في نفس العام (1954) أول إطلالة للزعيم الجزائري «أحمد بن بيلا» على أثير «صوت العرب».

«أخ جزائري في حديث من العقل والقلب إلى الضمير والوجدان».

لم يكن أحد يعرف اسم قائد الثورة التي توشك أن تعلن حتى نطق اسمه.

«دم الثوار تعرفه فرنسا.. وتعرف أنه نور وحق نصحت ونحن مختلفون داراً.. ولكن كلنا في الهم شرق».

كانت تلك مقدمة غنائية بصوت «محمد عبدالوهاب» وكلمات أمير الشعراء «أحمد شوقي» لخطاب «أحمد بن بيلا» الأول.

جرت كتابة ذلك الخطاب بالفرنسية وشارك في ترجمته إلى العربية أربعة رجال: «محمد خيضر» و«حسين آية أحمد» من قيادات الثورة الجزائرية و«فتحي الديب» و«أحمد سعيد» من مصر.

لم يكن الأمر سهلاً على «بن بيلا»، وكان قاسيًا على مشاعره، «تصبب عرقًا وخجلًا من أنه لا يستطيع أن يتحدث بلغة بلاده وقرآن دينه». لأكثر من مرة قطع التسجيل لاعناً «الفرنسة» التي فرضتها سلطات الاحتلال.

في يوليو (1962) ألقى خطابًا ثانياً عبر «صوت العرب» من الجزائر المستقلة بلغة عربية متمكنة.

في حوارات القاهرة أبلغ «بن بيلا» السلطات المصرية أن الرصاصة الأولى سوف تطلق في الساعة الواحدة من صباح السبت (30) أكتوبر/‏تشرين الأول (1954).

بدأ البث الإذاعي بتمهيد دون إيضاح يذكر ببطولات التاريخ الجزائري. كان من ضمن الاستعداد الاتفاق على نظام شفري تتضمنه كلمات «أحمد سعيد» موجهة إلى الداخل الجزائري عن القتال تتبعه إشارات تتغير بنظام «مورس».

يجيء صباح الأحد ويحل نصف النهار دون أن تكون هناك أي أخبار من الجزائر.

جرت اتصالات ومحادثات وتساؤلات: ما الذي حدث؟

«نحن مجبرون» كانت تلك أول إشارة تصل من «بن بيلا» مكتوبة بالفرنسية. لأسباب ميدانية تأجلت العمليات المسلحة، التي شملت أنحاء واسعة من الجزائر إلى الأول من نوفمبر/‏تشرين الثاني.

في معركة استقلال الجزائر تأكد الدور المصري في عالمه العربي بلا مَن أو ادعاء.

القاهرة تابعت أدوارها من الرصاصة الأولى في نوفمبر (1954) حتى استقلت الجزائر في يوليو (1962)

«صوت العرب من القاهرة..أيها الإخوة في كل مكان نزف إليكم بدء ثورة تحرير واستقلال الجزائر. إليكم بيان جبهة التحرير الوطني.. اللجنة الثورية للوحدة والعمل، وتم توزيعه اليوم في جميع أنحاء التراب الجزائري».

كانت تلك أعظم دقائق إرسال «صوت العرب» وأكثرها شهرة وتميزاً وخلوداً تاريخياً، كما سجل «أحمد سعيد» في مذكراته غير المنشورة.

 

عن جريدة "الخليج" الإماراتية