سلطة البرج العاجي


آخر تحديث: June 9, 2018, 6:54 am


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

رغم أن  معظم أفراد رأس السلطة الفلسطينية لم ينحدروا من عائلات فلسطينية عريقة, أو بالغة الثراء, إلا أنهم يبدون كأناس"أبهة" من غير عامة الناس, أو كما كانوا يقطنون في مكان آخر غير فلسطين المحتلة بمدنها وقراها ومخيماتها, مهندمين ومنعمين, لا تظهر عليهم آثر اعتقال أو توقيف ولا ندب من جروح أو مظاهر فقر أو بساطة .
أقل ما يمكن أن يقال فيهم هو أنهم في واد وعامة الشعب الفلسطيني, ليس ذلك المتواجد في مخيمات اللجوء أو في الشتات وحسب, بل ذلك الذي يقومون بحكمه مباشرة في الضفة الغربية, وبالأخص في قطاع غزة, ذلك انه بعد ربع قرن, من التزام السلطة من جانب واحد باتفاقات أوسلو بكل جوانبها, تمت "تنقية وتنظيف" مستويات السلطة وبالذات رأسها القيادي من كل "شوائب العمل الوطني" . 
ليس هناك أحد من رأس السلطة فمن فيهم الرئيس نفسه ورئيس الحكومة وكل الوزراء من مارس الكفاح المسلح ضد إسرائيل ولا في أي يوم من الأيام, وليس فيهم أو منهم أو بينهم من سبق له وأن اعتقل أو جرح أو أصيب في مواجهة مع الاحتلال الأسرائيلي, بل ولا حتى من شارك في عمل تطوعي أو تظاهرة صاخبة, أو ما إلى ذلك, حتى وصل الأمر إلى حركة فتح نفسها, التي كانت تسمى "أم الجماهير" وكانت تقود العمل الوطني في فترتي الكفاح المسلح والانتفاضة, والتي خرج كل قادتها, ما قبل المؤتمر السابع إما من خنادق المقاومة المسلحة في بيروت أو من مواقع الانتفاضة الأولى المتقدمة, تحولت اليوم إلى "حزب حاكم", مجرد لجنة مركزية وعلى مضض نقول مجلس ثوري, لا علاقة لهما بالناس, فليس هناك في برنامج تلك اللجنة المركزية أي خطة للمقاومة أو الكفاح الشعبي, وهي غير مهتمة إلا بتوزيع المناصب وتحقيق المكاسب الشخصية, والتنازع على ما يوجد على مائدة السلطة من عطايا وهبات . 
كل من تقدموا الصف الفتحاوي بعد السابع وكل من تقدموا صفوف م ت ف بعد مجلسها الوطني الأخير, كان همهم هو أن يحققوا المكاسب الشخصية, وأن ينالوا من "الحب جانب" من حب السلطة ومن عطاياها, وكل منهم كان يعلم بأنه لن تطلب منه أية تضحية, ولن تترتب على تقلده الموقع القيادي أية مخاطر, كما لو كان الحديث يجري عن دولة اسكندنافية !
كل من تبوءوا المناصب الأولى في فتح والمنظمة, يتقنون الرياء والكذب والنفاق, ولا رصيد كفاحي أو نضالي يذكر في جعبتهم, والأهم انه لن يترتب على ما حصلوا عليه, القيام بأي عمل وطني خاصة الكفاحي منه إن كان مقاومة مسلحة أو سلمية, أي لن يكون مطلوبا منه أن يقوم بأي عمل يغضب إسرائيل, أو أن يعرضه للاعتقال أو المساءلة, والدليل هو أنهم يتحركون جميعا داخل البلاد وخارجها, ولا يكونوا مطلوبين على الحواجز أو ممنوعين من السفر ! 
والحقيقة هي أن السلطة منذ بدأت تظهر عليها في العقد الأخير ثقافة أو مدرسة محمود عباس, يمكن القول بأنها قد تحولت إلى هيئة نقابية أو إلى سلطة معارضة داخل نظام أوسلو, ويمكن القول بصراحة بأن مرجع السلطة هو الحكومة الإسرائيلية وليس م ت ف كما يشاع أو يعتقد الكثير من الناس .
كيف يكون هذا, نقول لكم: إن الأمر بكل بساطة هو أن السلطة في رام الله, ممثلة برئاستها وحكومتها وأجهزة أمنها ما زالت ملتزمة باتفاقات أوسلو, وفي الحقيقة فأن التنصل من هذا الالتزام أو حتى التراجع عنه, ليس ممكنا بالكلام, بل إن السلطة أعجز ما تكون عن اتخاذ قرار بالتنصل من أوسلو لأن أوسلو لم يعد موقفا, بل شبكة علاقات, ولعل مثال استمرار السلطة تحت رحمة أموال المقاصة ما يوضح ما نذهب إليه, أي أن إسرائيل تستوعب أن يظل محمود عباس وحكومته يركضون دون جدوى بين أروقة الأمم المتحدة وأن يظل يوقع على عضوية فلسطين في المنظمات الدولية, ما دامت على الأرض لا تواجه أية مقاومة .
أي أن السلطة البيروقراطية التي لا علاقة لها بشعبها, ولا تتواصل معه, ولا تمثل خلاصة أو قمة هرم تنظيمي قاعدته في الشارع وقمته في القيادة, تبدو كما لو كانت لجنة حقوق إنسان أو منظمة مجتمع مدني, أو نقابة مهنية تطالب بتحسين الحال, وفي ابعد الأحوال يمكنها أن تنجح في انتزاع زيادة في الأجور, لكنها لن تحدث ثورة, تغير واقع الحال من الأساس .
بعد ذلك من الطبيعي أن تجد السلطة أن غزة بما تحتاجه من خدمات, ومن تأسيس سلطة الدولة الحقيقية, ومن إطلاق لثورة اقتصادية وتنمية, والأهم بما فيها من عزة وكرامة ومقاومة, ممنوعة من الصرف في جيبها, وأنها أكبر من ثوب السلطة الضيق, لذا فلن تقوى على إخضاعها أو حكمها, لذا فهي "تلككت" وما صدقت وأن وجدت مبررا أخيرا ونهائيا لرفع اليد عنها, ولولا إسرائيل ويا للمفارقة وكذلك لولا المانحين لكانت سلطة الحكم الذاتي المحدود, الخاضعة للتأثير وللقرار الأسرائيلي وإن كان خفيا, حيث أن واجهة السلطة, فلسطينية والكواليس إسرائيلية, لكانت قد توقفت عن دفع فاتورة الراتب وعن تحويل احتياجات المستشفيات والمدارس منذ عام 2007, ولولا أنها تكافأ على دورها بما يتمتع به افرداها خاصة رأس هرمها, من امتيازات مرتبطة بدورها, لكانت منذ زمن أيضا قد توقفت عن ضم غزة لبرامج التعليم والصحة وكل الشؤون الأخرى من مثل جوازات السفر والحج وما إلى ذلك . 
غزة اكبر من سلطة رام الله, والدليل هو أن السلطة تشترط أن تكون غزة على شاكلة الضفة خالية من كل ما يدمي عين إسرائيل من مقاومة ومن مواجهة بما في ذلك مسيرة العودة . 
بدأت الكذبة تأخذ ملمحها الخاص بما سمي بحكومات التكنوقراط, لتمهد الطريق إلى تحويل قيادة الشعب الفلسطيني إلى أداة أوسلو, وفي الحقيقة فإن إجهاض الانتفاضة, وإفراغ الكفاح الفلسطيني من مضمونه المقاوم والمسلح هو هدف أوسلو, منذ البداية, أي القدرة على ترسيخ الحكم الذاتي المحدود الذي عجزت إسرائيل عن فرضه في كامب ديفيد/ السادات, وها هي تفرضه عبر أوسلو/ محمود عباس وسلطته المدنية ذات الحكم الذاتي المحدود .