لماذا الضفة غير غزة ؟ !

لماذا الضفة غير غزة ؟ !


آخر تحديث: June 4, 2018, 3:54 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

منذ الثلاثين من آذار الماضي, أي منذ أكثر من شهرين, وعشرات الآلاف من المواطنين الفلسطينيين من قطاع غزة, يواظبون على الخروج كل يوم جمعة, ضمن مسيرة العودة المتواصلة منذ ذلك اليوم, حيث قدم الشعب خلالها أكثر من مائة شهيد ونحو خمسة عشر ألف جريح, وفي يوم واحد فقط, كان يوم الذروة, وهو يوم النكبة, الرابع عشر من أيار الماضي حيث استشهد أكثر من ستين شهيدا وجرح أكثر من ألفي مواطن في يوم واحد . 
والحقيقة أن قطاع غزة يعتبر إقليما عصيا على الاحتلال, ورغم أنه جزء صغير من الجغرافيا الفلسطينية, وهو الذي تبقى خارج الاحتلال الأسرائيلي مع الضفة الغربية والقدس, بعد نكبة العام 48, ورغم أن إسرائيل قد احتلته مرتين بعد ذلك, واحدة كانت مع سيناء إبان العدوان الثلاثي عام 1956, والثانية بعد الخامس من حزيران عام 1967, مع كل من الضفة الغربية والقدس, سيناء والجولان, إلا أنه بسبب مما يبديه من مقاومة للاحتلال, فإن إسرائيل انسحبت منه عام 1956, بعد هزيمة العدوان الثلاثي, وعام 2005 من جانب واحد . 
ولم يكن ذلك لا بعد اتفاق كامب ديفيد كما حدث لسيناء, ولا بالاتفاق مع السلطة الفلسطينية, رغم أن الانسحاب عام 2005 جاء بعد أوسلو, لكنه جاء بعد انتفاضة الأقصى عام 2000, حيث آثرت إسرائيل أن تنسحب من جانب واحد من غزة, فيما كانت تفعل شيئا معاكسا في الضفة الغربية, حيث كانت تقوم باختراق مناطق ولاية السلطة المدنية والأمنية في أ, ومناطق ولايتها المدنية فقط في ب, أي أنها فيما كانت تنسحب من غزة كانت تعزز احتلالها للضفة .
رغم كل هذا ورغم أنه يمكن القول بأن قطاع غزة, قد تعرض لاحتلال أقل, في عدد السنوات على الأقل, من الضفة الغربية, إلا أن إظهار القطاع للاستعداد الدائم للتضحية ولاحتضان المقاومة, بدءا من فدائيي "مصطفى حافظ" بين سنوات 1954_1967, والمقاومة الشعبية ما بين عامي 1967_1971, ثم الانتفاضة الأولى عام 1987, ظهر قطاع غزة كمخزون للكفاح الوطني, قلّ نظيره, وقدم نموذجا فلسطينيا عالي المستوى, أيضا حين احتضن القطاع م ت ف ما بين عامي 1964_1967, بزعامة احمد الشقيري وجيش التحرير الفلسطيني . 
صحيح أن بقطاع غزة نحو 70% من سكانه لاجئين, وصحيح أن معظم هؤلاء يسكنون المخيمات, وصحيح أن نحو مليوني مواطن يعيشون في أقل من 370 كم مربع, لكن أيضا قطاع غزة, كان في عهد عبد الناصر يعيش ظروفا معيشية جيدة, ثم إنه قد عاش كما الضفة الغربية ما بين عامي 1967_1987, في ظل الاحتلال الأسرائيلي, منتظرا انتصار الثورة من الخارج, الثورة المسلحة التي كانت معظم قياداتها المقررة, خاصة في فتح والجبهة الشعبية, ثم لاحقا في حماس, من مواطني قطاع غزة, أي أن القطاع بمواطنيه ولاجئيه قد ضخّ في عروق الثورة الفلسطينية على مدار العقود خيرة قادتها وكوادرها .
ولم يقبل قطاع غزة, الذي شكّل على مدار العقود الخمسة الماضية رأس حربة المشروع الوطني, أن ينفصل عن الضفة الغربية, عام 2005, وحين فكرت إسرائيل بالذهاب للأمم المتحدة من أجل اعتبار خروجها من قطاع غزة انسحابا, أجمعت القوى والفصائل وحتى منظمات المجتمع المدني على رفض ذلك والإصرار على الوحدة السياسية والقانونية لقطاع غزة والضفة الغربية . 
لم يقبل قطاع غزة, أن ينجو بنفسه من الاحتلال, وكان يمكنه أن يفعل ذلك بعد خروج إسرائيل منه, وبعد اكتشاف حقول الغاز قبالة شواطئه, وبعد جمله من التحالفات الإقليمية التي نشأت بين حماس وبعض الدول, وكان يمكن أن يتم الاتفاق مع إسرائيل على ترتيب ما, يتم فقط بموجبه فتح الممر المائي, أي تحديد سيطرة غزة على مياهها الإقليمية وعلى أجوائها, ومن ثم تتصل بالعالم الخارجي وتتحول إلى سنغافورة الشرق الأوسط . 
لم تفعل هذا غزة, بل واشتبكت مع إسرائيل في حروب متتالية طاحنة, عام 2008/2009, ثم عام 2012, فعام 2014, ودخلت رغم شح إمكانياتها في معادلة توازن الرعب مع إسرائيل, اعتمادا على ما يبديه أبناؤها من استعداد كفاحي عالي جدا, لكن الضفة بالمقابل, ورغم أنها حاولت عدة مرات أن تفك القيد في أكثر من محاولة انتفاضية, إن كان من خلال هبة السكاكين أو عمليات الدهس, أو هبة الأقصى, إلا أن "السيطرة الأمنية الإسرائيلية " تبدو شبه محكمة . 
في الضفة الغربية مناطق جغرافية واسعة, ومتنوعة من الأغوار للجبال والتلال, كذلك هناك حدود مفتوحة بينها وبين إسرائيل, وإذا كان هناك جدار عازل, فإن أهالي غزة قد اقتحموا الأسلاك الشائكة بأجسادهم, والجدار العازل يفصل الضفة الغربية وإسرائيل, أي انه يوازي الخط الأخضر تقريبا, فيما هناك في داخل الضفة مئات الحواجز العسكرية الأحتلالية, وهناك أيضا عشرات المستوطنات, خاصة النائية التي ليس من المستحيل استهدافها بعمليات المقاومة .
بصراحة وباختصار, لابد من طرح السؤال, الذي مفاده لماذا لا تبدي الضفة الغربية القدر نفسه الذي يبديه قطاع غزة من الانخراط في المقاومة, رغم أنه إضافة لما ذكرناه هناك القدس على تخوم الضفة, حيث أيضا إن سكان الضفة والمقدسيين يجدون أنفسهم في "تداخل  سكاني" مع المستوطنين ومع جنود الاحتلال . 
كان الراحل ياسر عرفات قد شد من أزر الفدائيين أيام اجتياح لبنان عام 1982, قائلا لهم, كنا نتجشم عناء التسلل إلى فلسطين المحتلة لنقاتل العدو, وها هو يجيء إلينا, وبالإجابة عن السؤال/ المفارقة أعلاه , نقول هناك أكثر من سبب, لعل أسوأها هو التنسيق الأمني بين حكومة رام الله وإسرائيل والدور الذي تقوم به أجهزة أمن السلطة التي تريد أن تتمكن في غزة, لتقوم بفعل ما تعجز إسرائيل عن القيام به, لتكون "وحدة التسليم بالاحتلال" بدلا من وحدة مقاومته, وبدلا من أن تلتحق الضفة بركب الحرية الذي تمتطيه غزة, يريدون أن تلتحق غزة بركب التوافق مع الاحتلال, الذي ما زال عليه الحال في الضفة الغربية !