مسار العودة يرسم البرنامج الوطني الجديد


آخر تحديث: June 1, 2018, 10:28 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

الجمعة العاشرة على انطلاق قطار مسيرة العودة, تأتي بعد موجة التصعيد العنيفة بين فصائل المقاومة الفلسطينية وجيش العدو الأسرائيلي, حيث تم الرد على عدد من عمليات الاغتيال والتوغل والقصف الجوي الأسرائيلي بإطلاق رشقات من الصواريخ الفلسطينية على ما يسمى بمستوطنات غلاف غزة, لتؤكد على أن مسيرة العودة ماضية لتحقيق أهداف واضحة وصريحة, وهي تثبيت حق العودة الذي ظنت إسرائيل بأنه قد "سقط بالتقادم", وربما أبعد من ذلك بتحقيق هدف لا يخطر على بال احد, وهو أعادة رسم وتحديد الملامح العامة للبرنامج الوطني الفلسطيني الجديد, الذي لابد له من أن يرث برنامج العودة وتقرير المصير, أو برنامج الدولة المستقلة على حدود العام 1967 . 
ذلك انه رغم أن ميثاق م ت ف قد تحدث عن تحرير فلسطين , وهو الذي وضع عام 1964, أي قبل أن تحتل إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة, إلا أن توالي الأحداث بعد ذلك بثلاث إلى خمس سنوات, أحدث في البرنامج تحولات ميدانية بحيث حل ما سمي لاحقا, أي منذ عام 1972 بالبرنامج المرحلي محل البرنامج الوطني الذي تحدد في ميثاق المنظمة, والذي استند إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود العام 1967 .
يمكن القول بأن ثقافة البرنامج المرحلي قد اتكأت على القرار 242, الذي طالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلت عام 67, وأرسى قاعدة الأرض مقابل السلام, أي انسحاب إسرائيل مقابل توقيع اتفاقات السلام معها, وهكذا ورغم أن الثورة الفلسطينية المسلحة التي انطلقت عامي 65_67, قد اعتمدت بالأساس على فلسطيني الخارج, فلسطيني مخيمات اللجوء والعودة في الأردن ثم لبنان وسوريا, إلا أن تحديد هدف تلك المقاومة بإقامة الدولة على حدود 67, وفق البرنامج المرحلي, كان يعني "تحرير الأرض المحتلة منذ ذلك العام" وكأن ذلك كان يعني إعادة ترسيم الحدود بين دولتي فلسطين وإسرائيل من قرار التقسيم 181 إلى القرار 242 .
ثم جاءت الانتفاضة كتتويج لثقافة المقاومة تلك, حيث أن تتابع الأحداث ميدانيا وتراكم خبرة الكفاح, يؤدي عادة إلى التطور في السياق, بحيث يتم كل فترة ابتكار شكل وأداة وأسلوب يكون من شأنه سد الثغرات ومعالجة نقاط الضعف, بحيث جاءت الانتفاضة الأولى عام 1987, لتوسع من دائرة الكفاح الوطني بحيث تكون شعبية بعد أن كانت مقتصرة على نخبة الفدائيين, ولتجعل من الأرض المحتلة عام 67 ميدانا للكفاح الوطني. وفعلا فتحت تلك الانتفاضة الباب ودشنت الطريق إلى حل الدولتين وفق ذلك الخط الحدودي الوهمي  . 
لكن الفشل في التوصل إلى الحل, وتوقف التفاوض بشأنه منذ عام 2014, أدى إلى انسداد الأفق, والى أن يعود الشعب الفلسطيني مجددا لانتزاع زمام المبادرة والبدء برسم طريق كفاحي جديد وفق برنامج وأدوات كفاح جديدة . 
إسرائيل نفسها كانت تصر على أعتاب مؤتمر مدريد عام 1991 أن يكون المفاوض الفلسطيني من ما كانت تطلق عليهم "سكان المناطق" أي الشخصيات الفلسطينية من سكان الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة, وكانوا عرضوا عبر جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت, على أن يكون الوفد المفاوض برئاسة فيصل الحسيني وحنان عشراوي, وإسقاط مرجعية م ت ف للوفد, حتى ينحصر التفاوض على مصير ومستقبل تلك المناطق فقط . 
لكن مسار التفاوض الثنائي السري في أوسلو والذي أعلن عنه عام 1993, ورغم أنه كان بين حكومة إسرائيل و م ت ف عبر رسائل الاعتراف المتبادلة, إلا أن إسرائيل كانت تراهن على أن تنجح في أن يقتصر الحل على خط 67 وإسقاط حق العودة والقدس كنتيجة للتفاوض, وربما كان هذا هو السبب الذي أدى إلى مقتل اسحق رابين, وتولي اليمين منذ عام 96 الحكم في إسرائيل . 
المهم الآن أن إغلاق الطريق أمام حل الدولتين على أساس حدود العام 67, ومحاولة إسرائيل الدفع بإقامة الدولة الفلسطينية التي يريدها المجتمع الدولي منذ سنين, على قطاع غزة, أي الخروج بأقل الخسائر, خاصة وأن غزة لا تشكل أكثر من 1% من مساحة فلسطين التاريخية وهي كانت قد خرجت منها من جانب واحد عام 2005 حتى يكون بمقدورها الاحتفاظ أكثر بالضفة الغربية التي تشكل مساحتها نحو ربع مساحة فلسطين التاريخية . 
لكن الرد جاء من قطاع غزة بالذات التي كانت دائما بمثابة منصة أطلاق المشروع الوطني الفلسطيني كله, وورشة إنتاج قادته وكوادره المناضلين, حين انطلقت مسيرة العودة, بهدف سياسي خاص بحكم حماس وهو كسر الحصار, وهدف شعبي وطني عظيم وهو العودة, وهكذا فأن مسيرة العودة تعيد أولا البعد الشعبي للكفاح بعد ربع قرن من الكفاح البيروقراطي/السياسي الفاشل, وثانيا إلى بنود المشروع الوطني الأخرى غير أقامة الدولة, التي يمكن أن تقوم حتى بموافقة إسرائيل في أضيق الحدود أي ضمن حدود قطاع غزة, ونقصد بذلك العودة والقدس .
وحتى يتم تحقيق تلك البنود لابد من إطلاق روافعها, فحق العودة يقاتل من أجله اللاجئون وحق القدس يقاتل من أجله المقدسيون أولا وحق الدولة يقاتل من أجله مواطنوها في غزة إن كانت في غزة وفي الضفة وغزة إن كانت في غزة والضفة, وهكذا, فإن أحد أهم انجازات مسيرة العودة, إضافة إلى إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني وتنحية المرحلي جانبا, هو الزج بالكل الفلسطيني في أتون الكفاح, حيث أن انجاز كل بنود البرنامج الوطني يحتاج إلى أن يكافح من أجله كل الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس وال48 والشتات, وهذا ما بدأ يحدث الآن, وإلى أن ينتهي الأمر بتفكيك دولة إسرائيل وإقامة دولة فلسطين الموحدة داخل حدودها الانتدابية التاريخية, الدولة العلمانية الحديثة, دولة المواطنة, لا الدولة الدينية, اليهودية أو الإسلامية ولا حتى الدولة العربية, بل دولة فلسطين التي هي للمسلمين واليهود والمسيحيين, للدروز والعرب والأرمن وغيرهم .