ماذا لو مات الرئيس

ماذا لو مات الرئيس


آخر تحديث: May 27, 2018, 10:21 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

التصريحات التي تصدر عن مسئولي السلطة الفلسطينية ومن ثم عن المستشفى الذي يرقد فيه الرئيس محمود عباس, بعد إجرائه عملية في الأذن الوسطى قبل نحو أسبوعين, ومن ثم تلك التي صدرت عن المستشفى نفسه, بدت كما لو كانت "مسلسلا أضافيا", يضاف إلى بضع عشرات المسلسلات الرمضانية التي لا همّ لها, إلا أن "تسلي المشاهدين" بهدف تضييع أو تمضية الوقت الذي يمر ثقيلا على بعض الصائمين في هذه الأيام الرمضانية الصيفية الحارة .
عملية في الأذن حتى لو لم تنجح, فأنها قد تؤدي إلى "الطرش" أي إلى الصمم, وهذه قد تكون أصلا نعمة لدى بعض الناس, تغنيهم عن سماع ما لا يودون أن يسمعوه, أو ما لا يفترض فيهم أن يسمعوه, أو حتى ما يكرهون سماعه من كلام لا يوافق أهواءهم, أو كلام يحمل شكوى أو مظلمة أو حتى دعاء مظلوم أو مكلوم أو يائس لحاكم وصل الحال بشعبه في عهده إلى أسوأ حال .  
لكن عملية في الأذن ليست خطرة على حياة المريض, إلا إذا كان الأمر له علاقة بمرض سرطاني, وأيا يكن الأمر, فإن السؤال الذي لا مناص من طرحه, بل إن طرحه قد تأخر كثيرا, وذلك لأن السيد الرئيس أولا, والكثير من قيادات حركة فتح التابعة له, واظبوا طوال سنين عدة مضت على وضع رؤوسهم في الرمال, تماما كما يفعل النعام, الذي يظن بأنه حين يضع رأسه في التراب فإن أحدا لن يراه, حرصوا على عدم الخوض في واحدة من أخطر الأمور السياسية الخاصة بمكانة حركة فتح بالذات على الصعيد الوطني وقيادتها للواقع السياسي الفلسطيني, وهي ماذا سيحدث حين يختفي الرئيس محمود عباس عن خشبة المسرح السياسي, لهذا السبب أو ذاك .
ولأن الرجل ومريديه لم يخطر ببالهم أبدا بأن حياته ستكون معرضة لخطر الاغتيال أو الاستشهاد من قبل العدو الأسرائيلي, أو حتى من قبل حاقد أو معارض, فإنهم ظنوا بأن الموت ليس قابعا وراء الباب, أو أنه على الأقل لن يفاجئهم على حين غفلة, لأنه لن يكون إلا بعد مرض أو بعد المضي بعيدا في الشيخوخة .
معروف بأن مكانة حركة فتح وكل سلطتها الرسمية معلقة بشخص الرئيس, وهذا أمر يحبذه عادة الحكام المستبدون, أي أن تكون كل السلطات معلقة بهم, حتى يقبضوا من جهة على كل مقاليد السلطة بشكل شخصي, ومن جهة ثانية حتى تتعلق الناس بهم, وهنا حتى تتعلق حركة فتح كلها بشخص الرئيس, الذي لو فقدته فإنها ستفقد مكانتها وقيادتها للعمل الوطني الفلسطيني .
فسلطة فتح في سلطة الحكم الذاتي معلقة بشخص الرئيس لأنه منتخب مباشرة من الشعب كرئيس للسلطة, في حين أن أغلبية المجلس التشريعي المنتخب أيضا من الشعب إنما هي لحركة حماس, وحسب القانون الأساسي للسلطة, ولأنه لا يوجد للرئيس نائب, فإن موقع رئيس السلطة ينتقل مؤقتا ولمدة ستين يوما لرئيس المجلس التشريعي (هنا هو عبد العزيز الدويك, أو ربما نائبه في غزة احمد بحر) كما حدث مع روحي فتوح حين توفي الرئيس ياسر عرفات, وهذا يعني بأن حماس ستقبض على سلطة الحكم الذاتي بكلتي يديها . 
وربما لأجل هذا السبب حرص عباس ومعه عزام الأحمد ومركزيته من فتح على عقد المجلس الوطني دون حماس حتى يقولوا لاحقا بأن م ت ف هي السلطة الأم, وهي التي ستتولى موقع الرئيس في حال وفاته !
ولمزيد من الضغط من قبل إسرائيل عليه, من هذه الناحية, ربما جاء الإفراج قبل أيام عن الدويك, لأنه كما هو مرجح فإن إسرائيل لن تكون معنية بإجراء انتخابات فلسطينية عامة جديدة, وبالتأكيد حماس لن تكون معنية, وهي ستدّعي بأن رئيس مجلسها التشريعي إن كان خارج الأسر, عبد العزيز الدويك, أو نائبه احمد بحر, لو كان داخل السجن, هو رئيس السلطة, وحينها سيقوم هذا أو ذاك بتشكيل حكومة حمساوية جديدة, ستقوم بالتفاوض والتمثيل وبإحداث انقلاب سياسي جديد, سيكون من جرائه ألحاق كارثة "سلطوية" بحركة فتح وحلفائها من المواقع الوزارية وحتى من السفارات بالخارج . 
ولعل سحب إسرائيل مؤخرا الكثير من الشروط من على كاهل حماس, بما في ذلك سلاح القسام, والاعتراف بإسرائيل, واستعدادها لهدنة بعيدة المدى, كما كان حالها مع الدول العربية المجاورة أو المحيطة بإسرائيل بعد عام 1948, يفتح الطريق واسعا للذهاب إلى هذا الخيار أو في هذا الاتجاه .
فقط بقي أن يموت أبو مازن ويتم ترتيب كل شيء بهدوء وبساطة, ويكون الرجل الذي عبّد طريق أوسلو في حياته, وشاهد الانقسام, بل وأداره من جانبه دون أن ينجح في إنهائه, في حياته كرئيس للسلطة, قد كرّس الانقسام بمماته, وأنهى حركة فتح, بنقل كل مفاتيح القيادة لحركة حماس, التي تعرف الآن جيدا بأن سلطة الحكم الذاتي, بل وسلطة مستقلة في قطاع غزة, أفضل بكثير من سلطة معنوية أو حتى رومانسية اسمها م ت ف وكذلك أفضل من سلطة حكم ذاتي محدود لن تتطور أبدا إلى ما هو أكثر من ذلك في الضفة الغربية . 
وها هي إسرائيل في حال ذهب هذا السيناريو إلى آخره ووجد طريقه إلى التنفيذ, ستقول للعالم ها هي الدولة الفلسطينية تنشأ في غزة, فيما الضفة بعد عباس ستنشأ فيها سلطات جهوية, عائلية وقبائلية, على أساس المدن والمحافظات, وسيحدث كل هذا, لأن السيد الرئيس والمحيطين به نسوا بأن الموت على الناس حق, وبأنه لكل أجل كتاب, أو لأن لسان حال الحاكم الفرد يقول: على جثتي تسليم السلطة والحكم, وهو الذي كان دون أن يرف له جفن قد رضي أن يترشح قبل ثلاثة أسابيع فقط وهو الذي تجاوز الثانية والثمانين عاما لرئاسة م ت ف, وكأنه يتوقع أن يبقى على الحياة أولا عشرين عاما أخرى, يظل فيها رئيسا مطلق الصلاحيات ومتعدد السلطات عقودا قادمة !