بون شاسع بين القيادة والشعب

بون شاسع بين القيادة والشعب


آخر تحديث: May 24, 2018, 5:46 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

  حين تندلع الثورة الشعبية عادة, فإنه سرعان ما يتقدم إلى صفوف قياداتها أفراد وجماعات منظمة خرجت بين صفوفها, بل من مسامات جلدها وجسدها وخلايا عظمها, فيما تقف الطبقات والشرائح الاجتماعية المترفة عادة, وحتى التقليدية, في الجانب الآخر, لذا فإن الثورة وهي تقوم بتغيير تركيبة المجتمع وهيكله التنظيمي ممثلا بالدولة والمؤسسات العامة, فأنه من الطبيعي أن يقود عملية التغيير أفراد يؤمنون بالثورة أولا, وينتمون إلى الجماعات التي تشكل سوادها الأعظم, ومن غير الطبيعي أبدا أن يقبل الشعب وهو في حالة الثورة آن يقوده أفراد لا يؤمنون بالثورة وأهدافها  أو لا ينتمون إلى الطبقات والجماعات أو الفئات الاجتماعية التي تشكل قوامها .
وما من ثورة حديثة إلا وكان قادتها أفراد من عامة الشعب, لم يكونوا ملوكا ولا وزراء ولا حتى أثرياء عادة, ورغم أن الثورة الوطنية, أي حركة التحرر تعتبر ثورة ذات رداء اجتماعي واسع, يشمل معظم طبقات وفئات وشرائح المجتمع, إلا أنه نادرا ما كانت قيادتها السياسية والتنظيمية وحتى العسكرية _خاصة الميدانية_ منها من أفراد مترفين أو ممن يؤمنون بالتعايش مع الاحتلال .
هكذا كان حال حركة التحرر الفلسطيني بمعظم قيادات فصائل العمل الوطني والإسلامي, حيث كان يلاحظ بأن معظم المقاتلين والمناضلين, قد جاؤوا من مخيمات اللجوء ومن القرى والأحياء الشعبية, فلم يكن هناك مترف حتى في الصف القيادي الأول, رغم وجود مثقفين (أطباء ومهندسين) تقدموا الصفوف القيادية, لكن وإلى لحظة الخروج من بيروت عام 1982, كانت كل قيادات الشعب الفلسطيني قد خرجت من معطف الشعب, ولم يكن هناك من حواجز ولا من تباين بين مواقع الفدائيين والفلسطينيين الذين يعيشون في مخيمات لبنان وسوريا والأردن .
ولم نر يوما ياسر عرفات أو خليل الوزير أو صلاح خلف, إلا مرتديا زي الفدائي الشعبي, لم يظهر قادة المقاومة كنجوم السينما أو كأبناء الأثرياء والمترفين, لأنهم لم يكونوا كذلك أصلا, لكن المشكلة بدأت في الظهور رويدا رويدا منذ عام 1994, أي منذ تشكلت السلطة الفلسطينية, من خارج إطار ومعطف م ت ف بشكل صريح, وعلى نحو أكثر وضوحا بعد العام 2007, حين رفع شعار تشكل حكومة التكنوقراط, للقول بأنها حكومة لا علاقة لها بالانقسام, الذي حمله هذا المنطق البيروقراطي إلى مجتمع فصائل العمل الوطني, وبالتحديد لكل من حماس وفتح .
منذ عام 2007 ورئيس حكومة يقال بأنها لحركة فتح, يشترط فيه أن لا يكون فتحاويا, كذلك أغلبية أعضاء المجلس الوزاري, ليسوا فتحاويين, بل وحتى التمثيل الفصائلي إنما هو تمثيل شكلي, حيث "المستقلون" أو التكنوقراط, هم أكثرية أعضاء المجلس الوزاري طوال الأحد عشر عاما السابقة . 
شيئا فشيئا لم يبتعد "قادة الشعب الفلسطيني" عن خنادق الثورة وحسب, بل وحتى عن الميدان, فنادرا ما تشاهد وزيرا أو عضوا في مركزية فتح أو مكتب سياسي حماس أو الفصائل الأخرى يشارك في تظاهرة أو مواجهة مع جنود الاحتلال, أو على رأس حراك وطني, ومع مرور الوقت بات "القادة" يتشحون بزي آخر وبمظهر مختلف عما يظهر عليه العامة من الناس, وشيئا فشيئا باتت الهوة والفجوة تتسع بين "القيادة والشعب" .
والقيادة البيروقراطية في الدول هي التي "تكتفي" برفع الشعار الذي يدغدغ مشاعر الناس, لكن في الثورة الاجتماعية وفي حركات التحرر فإن القيادة تتقدم الصفوف وتقود العمل الكفاحي, ولا تؤيده وحسب .
القائد يجب أن يكون مناضلا, وهذا ينطبق أولا وقبل كل الآخرين على عضو مركزية وثوري فتح, وعلى عضو مكتب سياسي وشورى حماس وعلى أعضاء المكاتب السياسية لكل الفصائل وحتى على رئيس السلطة ورئيس الحكومة وكل وزرائها .
الشعب الفلسطيني ليس بحاجة للتكنوقراط المترف ولا بحاجة للمحترف السياسي, الذي يمتهن العمل الوطني ويشترط أن يكون عضوا قياديا في هذا الفصيل أو ذاك .
لا يعقل أن يتشجع الشعب الفلسطيني للاندفاع إلى ساحات المواجهة وهو يرى رئيس السلطة ورئيس الحكومة يعيشون في القصور, ويتحركون بالسيارات المحصنة ضد الرصاص والتي تبلغ أثمانها مئات آلاف الدولارات, ولا يمكنه أن يقبل أن يعيش في ظل انقطاع التيار الكهربائي 18 ساعة باليوم, فيما مربع رئيس حركة حماس, يبدو كما لو كان ديزني لاند !
لابد من عودة الصورة التي كان عليها ما تسي تونغ, وهوشي منه, ونيلسون مانديلا وياسر عرفات وجمال عبد الناصر, وبالمناسبة من يذكر كيف كان يعيش ياسر عرفات في "منتدى"غزة, وأين كان يقضي وقته, وهو  الذي كان بإمكانه أن يمتلك القصور والفيلل, كما هو حال فيلا أبو مازن في غزة التي ربما لم ينم فيها ليلة واحدة, لعل هذا المظهر الذي تظهر عليه القيادة الرسمية أولا ومن ثم القيادة الوطنية ثانيا, هو أحد أهم دوافع الإحباط, ولعله يؤكد بأن الشعب الفلسطيني يقاد منذ ربع قرن من تكنوقراط بيروقراطي, مهني وسياسي, لن يقوده إلى رحاب الحرية والاستقلال, لسبب بسيط وهو أن هذه القيادة لم تعد من الشعب, ولا على شاكلته, بل إنها وحتى بلا وعي تدافع عن امتيازات "سلطة الحكم الذاتي" التي تجعل إسرائيل تضع قدميها في المياه الباردة, وهي تقول بأن نحو ملياري دولار سنويا تغري "قيادة السلطة" على التمسك بها وعدم النطق بحلها ردا على إسرائيل, بل ولا حتى في صراعها عليها, في مرحلة ما بعد أبو مازن !