دولة على كف عفريت

دولة على كف عفريت


آخر تحديث: May 21, 2018, 4:36 pm


أحوال البلاد
بقلم: رجب أبو سرية

لو كان هناك عقلاء في إسرائيل, التي تبدو هذه الأيام كما لو كانت في حالة من غياب الوعي, نظرا لأن الحواجز تنهار من حولها, في حالة من الانتشاء لدرجة أن يتعطل العقل, أو تنعدم الرؤية من بعيد, نقول لو كان هناك عقلاء في إسرائيل, لأصيبوا بالرعب مما جرى يوم الاثنين الموافق للرابع عشر من أيار الحالي, حين أطلق الجنود الإسرائيليون المدججون بكل أنواع الأسلحة الفتاكة, وغير المهددين بالمطلق النار مباشرة على جموع المتظاهرين بشكل سلمي, على الجانب الفلسطيني في قطاع غزة, بما يكشف بكل وضوح عن شهوة القتل, وعن غريزة متأصلة في نفوس أولئك الجنود تتسم بالعنف والقسوة, التي إن كانت تجد تعبيرها تجاه الآخر الفلسطيني اليوم, فأنها قد تتجه غدا إلى أحد آخر, إلى أن يصل الأمر إلى  اليهودي/الإسرائيلي نفسه . 
لعل كل بواعث الفاشية والنازية تجتمع الآن في إسرائيل, من حيث الشعور بالتفوق, وكراهية الآخر, ومن حيث ممارسة هذه النزعة على الأرض, ومن حيث خضوع دولة إسرائيل منذ عقود لتصاعد مستمر في اليمين واليمين المتطرف, الذي يتسم بالانطوائية والغوغائية, وحتى الخروج من العصر الحديث بكل سماته بالانفتاح والاعتدال والتسامح, ولا يختلف مستوطن أو متدين يهودي وهو يمارس العنف, بعد أن امتلأ رأسه بكل أفكار الشعوذة اللاهوتية, والتطرف الديني, ولا بأي حال من الأحوال عما شاهدناه خلال السنوات القليلة الماضية, في شمال غرب العراق, وشمال غرب سوريا, أي من ممارسة المتطرفين الإسلاميين لعمليات القمع والقتل والتوحش .
لا يختلف مشهد الجندي الأسرائيلي وهو يقوم بخنق طفل فلسطيني عما صورته "يوتيوب" من عمليات إعدام أقدمت عليها داعش قبل فترة وجيزة, كذلك لا يختلف ما أقدم عليه المستوطنون من إحراق لعائلة دوابشة عما فعلته داعش بحق الطيار الأردني معاذ الكساسبة, لكن الأخطر هو ما يحدث في الجانب الأسرائيلي حيث تتجه الدولة لأن تتحول إلى ألمانيا نازية أخرى, أو إلى ايطاليا فاشية أخرى, لأن الدولة الإسرائيلية خاضعة لهذا التطرف المستند للاهوت الديني منذ عقود . 
والخطر كله يعتمل داخل أحشاء إسرائيل, لأن هذا التطرف المتداخل مع اللاهوت يجد من يدعمه ويشجعه على المستوى الدولي, بعد أن وقعت الولايات المتحدة في الفخ الذي نصب لها في الانتخابات السابقة ووصل "المهووس الجنسي"  عديم القيم والأخلاق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض . 
ولأن للقدس مكانة روحية  خاصة جدا, فإن المس بها يعتبر هو الجنون بعينه, وفي الحقيقة فإن "إجماع إسرائيل" ومن ثم انضمام الولايات المتحدة رسميا لها في السطو على القدس, يعتبر بمثابة تجاوز الخط الذي لا تراجع من بعده, وهو في نفس الوقت, بداية انتهاء وتحلل وتفكك إسرائيل .
ما كان يمكن استيعاب إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط, إلا وهي "دولة معتدلة" تقدم نموذجا للتعايش والحداثة المدنية, أما أن تتحول إلى دولة دينية مستبدة تسير على خطا أدولف هتلر في السيطرة على المنطقة كلها, ومن خلال بعث أسوأ ما في النفس البشرية من شهوة القتل, فإن ذلك بمثابة الوصفة الناجحة والمجربة للاندثار والزوال, مهما بلغت قوة إسرائيل, حتى لو صارت أقوى دولة عسكريا في العالم, فقد كانت هكذا ألمانيا/هتلر, وكانت هكذا دولة المغول . 
ولعل أسوأ نموذج أو صورة يمكن أن تشاهدها ملتصقة باليهود/الإسرائيليين هي اقتحام الأماكن الدينية للآخرين, وتحديدا مساجد المسلمين, ولعله الجنون والهوس وغياب الوعي بالمطلق هو الذي يسمح للمستوطنين المأفونين أن يفعلوا هذا, خاصة حين يقتحمون باحات المسجد الأقصى في مناسبات أعيادهم الكثيرة, ذلك أن مس الآخرين في عقيدتهم الدينية لا يبقي ولا بأي حال من الأحوال مكانا للتسامح أو للتعايش أو للغفران .
لنتخيل جميعا لو أن أتباع كل ديانة أو طائفة قد اقتحموا ودنسوا معتقدات الديانات الأخرى, لو أن المسلمين قاموا بالمقابل باقتحام كل الكنس اليهودية التي تقع تحت أيديهم, أو لو أن الهندوس قاموا بتدنيس الكنائس المسيحية, لنشبت حروب دينية أين منها الحروب العالية التي جرت . 
كيف يمكن لبضعة ملايين من اليهود في إسرائيل, لا يتجاوز عددهم على أي حال الخمسة ملايين, أن يفكروا في اقتحام المسجد الأقصى أو حتى بالتفكير في تقسيمه أو تحويله إلى "كنس" ببناء الهيكل, حتى لو كان مكان الهيكل المزعوم أصلا والذي لا وجود له إلا في مخيلة مريضة وواهمة وغبية, تحت قبة الصخرة مباشرة, كيف يمكن لهؤلاء أن يتحدوا مشاعر أكثر من مليار إنسان, هم أصلا مضطرون, لو فكروا بمستقبل إسرائيل للعيش بينهم, لكن مستقبل إسرائيل مع هؤلاء ومع شهوة القتل لن يكون إلا في مهب الريح وإلا على كف عفريت .
لو كان هناك عقلاء في إسرائيل أو حتى في أمريكا, أو في أي مكان ممن يدعون أنهم أصدقاء لإسرائيل, لسارعوا على الفور إلى وضع حد لهذا الجنون الذي يجتاح دولة ما زالت تكافح من أجل إقناع الآخرين بقبول وجودها أصلا, ولتعاملوا معها على أساس أنها الآن دولة مريضة بداء سيكولوجيا الإنسان المقهور, وبأن الدولة التي أعلن عن قيامها قبل سبعة عقود, في سياق نشأة القوميات على أنقاض الاستعمار الذي كان يكبح قيامها خاصة في العالم الثالث, ووفق معايير الدولة الديمقراطية العصرية, هي غير الدولة القائمة حاليا, والتي بدأت ترسي دعائم الدولة الدينية منذ أربعة عقود, حتى وصلت إلى مشارف الكيان الطائفي المتزمت, الذي لا تكاد تفرق فيه بين رئيس الحكومة والجندي والمستوطن والمتدين المتطرف, بين العاقل والمجنون,  أو بين المعتدل والمتطرف .